الحج في التشكيل: مكعّب في قلب العالم

07 سبتمبر 2016
الصورة
(عمل لـ أحمد مطر، من المعرض)

تعدّدت استجابة الفنّانين التشكيليين لتجربة الحج، فظهرت وجهات نظر متباينة للتعبير عن هذه الشعيرة المقدّسة لدى المسلمين في الماضي والحاضر. عشرات الأعمال تزيّن جدران المعارض والمتاحف العالمية، ومن بينها "المتحف البريطاني" الذي رصد مجموعة من التجارب الفنّية الحديثة واحتفى بها.

لوحة الحج للفنانة السعودية مها ملوح، إحدى تلك الأعمال، وهي التي استخدمت كسوة الكعبة خلفية لصورةٍ تعبّر عن الرحلة بواسطة الجِمال، وهو ما كان سائداً قبل تطوّر المواصلات في الأزمنة الحديثة. تقول ملوح عن لوحتها "إن الإنسان المعاصر لم يعد يتمتّع بعبور الكثبان الرملية والصحراء الشاسعة". استخدمت الفنّانة السعودية لعب الأطفال أساساً فوتوغرافياً للوحتها ممثّلة في لعبة على شكل جمل، وقد استلهمت عملها من بلدها الذي وصفته بـ "أرض الصور والأفكار المتناقضة".

يُقدّم الفنان السعودي، أحمد مطر (1979)، مجموعة من الأعمال ضمن الثيمة ذاتها. يستخدم مطر التركيبات لتصوير إحساسه الذي حفّزته روايات أجداده عن الحج. آلاف ذرّات برادة الحديد يضعها في حقول مغناطيسية يُنتجها اثنان من المغناطيسات، أحدهما فقط وهو العلوي ظاهر للعيان.

يرى مطر أن المغناطيسية تنقل أيضاً أحد عناصر الحج الأساسية، فجموع المسلمين تعتبر نفسها سواء في عين الله؛ الأغنياء منهم والفقراء، الصغار والكبار. لذا تمثّل برّادة الحديد من وجهة نظره، هيئةً مناظرة لهؤلاء البشر، فالحجّاج ينجذبون على نحو مماثل لبيت الله بوصفه مركزاً لعالمهم.

"سبع مرات" هو عنوان تشكيل مكوّن من مكعّبات الصلب المنقوشة باللغة العربية المرصوصة في طبقات، أنجزها "إدريس خان" (1978) الذي وُلد ويعيش في بريطانيا. يُعدّ هذا العمل تكراراً متعمّداً للعمل الفني المسمّى "صمت الغرافيت" للفنان كارل أندريه. يقول إدريس "إن التكرار هو ما يسحره، خصوصاً قوّة التشكيل الذي تعكسه شعيرة الطواف في قوّتها ونمنمة طقوسها". للفنان تشكيل آخر مكوّنٌ من 49 مكعباً بعنوان "رحلة إلى قلب الإسلام".

تُعرض نسخة من أعمال الفنان في القاعة الكبرى في "المتحف البريطاني". وفي عمل آخر صنعه في مكان العرض، رسم خان مجموعة من النصوص على الحائط مباشرة، وهذه النصوص هي أجزاء ممّا يردّده الحجّاج أثناء الحج، وشكل العمل مستوحى من موقع الحرم في مكّة مع بيت الله في قلبها. وتمثّل كل كلمة خطوات الحاج التي تُصوّر الطاقة المتدفّقة التي تخلقها حركة الحشد من الناس أثناء الطواف.

أمّا الفنان جزائري الأصل، فرنسي المولد، قادر عطية (1970)، فقد أنجز سلسلة من اللوحات المستوحاة من شكل الكعبة، حيث يصوّرها مركزاً لكل الأشياء، محاولاً التعبير عن مكانتها التي تجذب جميع المسلمين من كل مكان، حيث يتوقون للمسها، وتقبيل الحجر في أحد أركانها. تجربة يقول صاحبها عنها "عندما تحدّث أجدادي لي كطفل حول تجربتهم مع الحج، أخبروني عن الانجذاب الجسدي الذي شعروا به تجاه الكعبة، وكيف أحسّوا كأن قوة مغناطيسية تسحب أجسادهم".

وفي عمل تصويري للفنان العراقي وليد ستي (1954) المقيم هو الآخر في العاصمة البريطانية، نرى الكعبة في شكل مكعّب أبيض مثّل مساحة مفتوحة شفافة، حيث تجمع حولها دوائر متّحدة المركز، مثل شكل خطابات لا يقصد منها القراءة.

يبدو هذا المنجز الفني الذي يتراكم على مدى السنوات، وكأنه بدأ يعادل الكفّة أمام تلك اللوحات التي رسمها المستشرقون الأوربيون والتي ظلت زمناً طويلاً مصدراً معرفياً حصرياً للغرب، وعيناً يرى بها العالم تلك الرحلة التي لا يعرفونها. ولعلّ هذه الروح الاستشراقية تسكن بعض أعمال الفنانين المسلمين وهم يتصدّون لهذه الثيمة.

دلالات