التفاعل مع تقرير "إسكوا"

20 مارس 2017
الصورة
أعلنت الأمينة العامة التنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية في غرب آسيا (إسكوا)، التابعة للأمم المتحدة، ريما خلف، احتجاجها على خضوع الأمم المتحدة للرغبات الأميركية والإسرائيلية، وقدمت استقالتها. لم تحتمل قرار الأمين العام للأمم المتحدة سحب تقرير اللجنة عن ممارسة إسرائيل الفصل العنصري بحق الفلسطينيين، وهو التقرير الثاني الذي يتم سحبه في غضون شهرين، تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي. بقدر ما تكشف هذه الحادثة عن استمرار خضوع المنظمات الدولية للإرادة الأميركية والغربية المساندة للممارسات الصهيونية، فإنها تشير أيضاً إلى أن حالة الاحتجاج على هذه الممارسات باتت تتسّرب إلى مكاتب هذه المنظمات، وتعبر عن نفسها بشكل أكثر وضوحاً، ولا يمكن فصل هذه الحالة عن مجمل حركة الاحتجاج ضد العنصرية والاحتلال الصهيوني، الآخذ في الاتساع حول العالم، وفي مجتمعات الغرب بالذات.
أعد التقرير باحثان، ريتشارد فولك، الخبير في القانون الدولي، وفيرجينيا تيلي، الأستاذة الجامعية المختصة في السياسة الإسرائيلية، وما خلصا إليه في التقرير من إدانة الفصل العنصري الصهيوني بات محل إدانة شريحة وازنة من نظرائهما من الأكاديميين والباحثين حول العالم. ما حصل بخصوص التقرير يطرح التساؤل على الجهات والفعاليات الشعبية، الفلسطينية والعربية، بشأن الخطوة التالية، في ظل العجز الرسمي العربي أمام السياسات الإسرائيلية، أو تواطؤ بعض العرب معها. أساس الموقف العربي الرسمي هو التسليم بالعجز عن مواجهة إسرائيل أو الضغط عليها، ما يملي على العرب انتظار ضغط أميركي على إسرائيل لا يأتي، وما نشهده مع تقرير "إسكوا" تكرّر طوال السنوات الماضية، مع استثناءاتٍ ضئيلة، وغير مؤثرة في ملف الاستيطان.
هذه النقطة لا بد من استحضارها عند الحديث عن عمل القوى الشعبية الفلسطينية والعربية مع المنظمات المدنية الغربية، للضغط على إسرائيل، ووضع حد لصلفها، فلا ينبغي أن يكون الاعتماد الأساسي على جهود تلك المنظمات الغربية، في ترجمةٍ عمليةٍ لفكرة مركزية الغرب، والعجز الذاتي عن المبادرة، إذ لا بد من تحرّك وطني/ قومي في مواجهة إسرائيل، له رؤيته الخاصة وأهدافه وطرقه في المواجهة، وهو يتعاون مع الفعاليات المختلفة شرقاً وغرباً، من دون أن يفقد زمام المبادرة.

قضية المقاطعة مثالٌ مهم على التفاعل الوطني مع المنظمات الغربية في الضغط على إسرائيل ضمن مجالات عدة، منها الاقتصادي والثقافي والأكاديمي والرياضي. يؤكد الباحث الفلسطيني عمرو سعد الدين أن حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) لم تكن تماماً أوروبية المنشأ، وأن التفاعلات والسياقات الفلسطينية الداخلية كانت مؤثرة في تبلورها، منذ الانتفاضة الثانية.
نتذكّر دعوات مقاطعة البضائع الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، إثر الانتفاضة الثانية، ثم تمدّد هذه الدعوة إلى الوطن العربي، من أجل مقاطعة البضائع الأميركية، رداً على الموقف الأميركي المؤيد إسرائيل. أنتج التواصل بين أطرافٍ فلسطينية مدنية فاعلة، وبعض الأطراف الأوروبية، بشأن الممارسات الإجرامية الصهيونية، ارتفاع الصوت الأوروبي الداعي إلى اتخاذ خطوات قوية في مواجهة إسرائيل، ومن ذلك توصية الاتحاد الأوروبي بمقاطعة بضائع المستوطنات عام 2002، إثر اجتياح إسرائيل الضفة الغربية. يشير عمرو سعد الدين إلى تواصل منظمات فلسطينية، مثل المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين (بديل)، مع منظمات بلجيكية، منها مموِّلتها، منظمة أوكسفام التي بدأت عام 2003 حملة في بلجيكا لمقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية.
تأسست حملة المقاطعة الفلسطينية الأكاديمية والثقافية عام 2003، وكان عصبها الأساسي أوساط جامعة بير زيت. تواصلت الحملة مع أكاديميين بريطانيين، لتنظيم مؤتمرٍ عن المقاطعة في مدرسة الدراسات المشرقية والإفريقية في جامعة لندن نهاية عام 2004. كذلك، كان لحركة "أوقفوا الجدار"، وهي حركة تطوعية نضالية، نشأت مع الاحتجاجات الفلسطينية على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، علاقاتها مع مجموعات يسارية في أوروبا وأميركا اللاتينية، وأضافت اللغة الإسبانية إلى موقعها لمزيدٍ من التواصل مع مناصرين للقضية الفلسطينية في أميركا الجنوبية. مثلت هذه الجهود وغيرها رافعةً أساسيةً في تبلور حركة المقاطعة، ويمكن القول إن هذه الجهود أسّست لحركة المقاطعة الدولية، انطلاقاً من الجهد المحلي الفلسطيني. لكن، لا يمكن أن تكون المقاطعة أداة المواجهة الوحيدة، فلا بد من مشروع تحرّري يستخدم كل أدوات النضال الممكنة، مستحضراً أصل القضية، ومتجاوزاً أُطَرَ "أوسلو"، بما يمنح زخماً أكبر على الصعيد الدولي لكل الحركات الاحتجاجية ضد السياسات الصهيونية.
من الواضح أن إسرائيل تخسر كثيراً في السنوات الأخيرة، جرّاء تصاعد حركة الاحتجاج ضدها، وتقرير "إسكوا"، وما يوثقه من ممارساتٍ عنصريةٍ، يقوم بها الاحتلال الصهيوني، يُشَكِّل ذخيرةً إضافيةً لمناهضي الصهيونية في العالم، لتوسيع دائرة المقاطعة والضغط. لكن، لا بد من العودة إلى أصحاب القضية أنفسهم، إذ لا يمكن التعويل على التعاطف العالمي، من دون قاعدة انطلاق شعبية عربية لمواجهةٍ مع المشروع الصهيوني بكل الوسائل المتاحة.
العجز العربي على حاله، كما الغطاء الأميركي للعنجهية الصهيونية، بل هذان الأمران في تزايد مستمر، لكن المجال مفتوحٌ أمام القوى الوطنية الفلسطينية، لبلورة تصوّر بديل ل "أوسلو"، ينبثق منه برنامج عملٍ يراعي الظرف العربي، ويقاوم الاحتلال بكل الطرق الممكنة، والمجال مفتوحٌ أيضاً للقوى الشعبية العربية التي ما تزال تولي فلسطين اهتماماً، لتتحرّك من أجل إحراج إسرائيل وفضحها في كل المجالات.

تعليق: