التطبيع واختراع العجلة

25 اغسطس 2020
+ الخط -

لا توجد بحسب معرفتنا بالجغرافية حدودا مباشرة ولا غير مباشرة بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما لم تخض دولة الإمارات العربية المتحدة أي حرب مع إسرائيل، فضلا عن أن أبوظبي هي الإمارة الأكثر ثراء في دولة الإمارات، ما يجعل الحديث عن منافع اقتصادية من التطبيع أمرا لا يحمل تفسيرا منطقيا لطبيعة الخطوة الأخيرة في التطبيع مع دولة الاحتلال، كما توجد في العالم 196 دولة يمكن للإمارات العربية إجراء تبادل تجاري معها.

فلسطينيا، فإن عدم وجود طرف فلسطيني واحد استفاد أو ربما يستفيد من هذه الخطوة، يعني أن فرضية دعم القضية الفلسطينية ليست واحدة من التفسيرات التي يمكن أن تكون مقنعة لتبرير هذه الخطوة، ففتح وحماس والجبهتان الشعبية والديمقراطية والجهاد وكل ممثلي الشعب الفلسطيني من أقصى اليسار لأقصى اليمين عبروا عن رفضهم للاتفاق، إذا كيف يمكن للمراقب فهم الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي وفي أي سياق يأتي؟.

مكن بمعادلة سهلة الوصول لنتيجة مفادها أن الدول والكيانات والجماعات التي اعتقدت أن التطبيع والتحالف مع إسرائيل سيحل لها مشاكلها، ويؤمن ظهرها، قد خسرت الرهان

قراءة للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الذي سيُعَمّد قريبا في البيت الأبيض تشير إلى أن هذه الاتفاقية لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، بل هي عبارة عن إعلان تحالف استراتيجي عقب عقود من التنسيق الخفي، تقارب الطرفان فيها، تحديدا عقب الربيع العربي وشعور كل من أبو ظبي وتل أبيب بمخاطر الديمقراطية التي ولدتها الانتفاضات العربية، واعتبار أي تحول ديمقراطي تهديدا حقيقيا لوجود الطرفين، فإسرائيل تعتقد من جهة أن أي تغيير حقيقي يأتي بأنظمة تمثل شعوب المنطقة معناه تهديد وجودي لها، فهي تعرف أن الشعوب العربية لو امتلكت إرادتها، ووصل ممثلون حقيقيون لها إلى الحكم، فإنهم سيتخذون مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، ومعادية للمشروع الصهيوني، على سبيل المثال تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وحالة الرعب التي عمت الكيان من سياسات الرئيس الراحل محمد مرسي، كما أن الإمارات تعتقد كذلك أن الديمقراطية التي تخشى أن تتسلل عدواها لشعبها فيطالب بانتخابات وإصلاحات، إضافة لتيار الإسلام السياسي الذي انخرط في الربيع العربي واستفاد منه، هي أسباب كافية لعقد تحالف مع" الشيطان" في سبيل الحفاظ على المعادلة القائمة، وقطع الطريق على أي صوت يطالب بالديمقراطية أو بالانتخابات، وهي مطالب تودي بمن ينادي بها وراء الشمس.

بعد إضافي في التحالف أو التطبيع الإماراتي الإسرائيلي يكمن في رغبة أبوظبي الاعتماد على الحليف الإسرائيلي بمواجهة تركيا وإيران،إذ تشير المعطيات إلى أن حظوظ ترامب في فترة رئاسية قادمة ضعيفة، وبالتالي تخشى الإمارات وإسرائيل قدوم رئيس ديموقراطي بأوليات مختلفة ليس من ضمنها الشرق الأوسط، ما يعني أنهما ستكونان وحيدتين في مواجهة أكبر دولتين إقليميتين في المنطقة " إيران وتركيا" واللتين تعملان على اقتسام "التركة الأميركية"، بالنظر للتوجه الأميركي الذي بدأه الرئيس السابق أوباما بالانسحاب التدريجي من المنطقة.

من جهة أخرى وفي سياق محاولة فهم الإصرار الإسرائيلي على نقل العلاقة من السرية للعلنية، يمكن تفسير ذلك بفهم الطبيعة لإسرائيلية، فتل أبيب لا تقدم أي خدمات مجانية، وتريد مكافأة عن جملة الخدمات التي قدمتها للإمارات خلال السنوات الماضية، من تقديم تقنيات اتصالات، وأنظمة اختراق وتنصت، وترويج ودفاع عن رواية الإمارات في واشنطن، إسرائيل باختصار تريد مقابل تلك الخدمات كلها تطبيعا وعلاقات علنية تعطيها شرعية ومشروعية في المنطقة، كما يحتاج نتنياهو المأزوم هذه " لإنجاز" في الانتخابات، وأخيرا فإن لعاب تل أبيب يسيل على اختراق السوق الخليجية وتصدير البضائع والخدمات إليها، وهي سوق ضخمة ترى فيها إسرائيل فرصة لجني المال لا تعوض.

وفي استعراض سريع لمسيرة التطبيع والمطبعين، يمكن بمعادلة سهلة الوصول إلى نتيجة مفادها أن الدول والكيانات والجماعات التي اعتقدت أن التطبيع والتحالف مع إسرائيل سيحل لها مشاكلها، ويؤمن ظهرها، قد خسرت الرهان، وانتهت للفشل والخذلان، من الأكراد الذين عولوا مبكرا على إسرائيل ورفرف علمها جنبا إلى جنب مع الأعلام الكردية، لتبيعهم تل أبيب وتتخلى عنهم عقب سنوات من وعودها لهم بدعم تأسيس دولتهم المستقلة، إلى جنوب السودان التي لعبت إسرائيل الدور الأبرز في إذكاء حربها مع الشمال ودفعها للانفصال، لتتركها عقب الانفصال فريسة للجوع والفقر والحروب، وقبل ذلك فقد سقط حسني مبارك واكتفت تل أبيب بمراقبته وهو يعزل عقب ثورة يناير، من دون أن تتدخل أو تستطيع تقديم طوق نجاة له، واليوم ورغم  الاحتفالات في تل أبيب وأبوظبي بالاتفاق فقد كشفت صحيفة" هآرتس" الاسرائيلية أن إسرائيل طلبت من أميركا عدم بيع طائرات إف 35 للإمارات حتى بعد تطبيع العلاقات بين البلدين، فهل هذا حليف يمكن الوثوق به أم  أن هناك حاجة لإعادة النظر في هذا التوجه؟