الترجمة والتدمير

19 سبتمبر 2018
الصورة
جوزيف كوديلكا/ فرنسا
+ الخط -

اهتمَّ الأميركيون - للتحكم في الحرب وتفادي مفاجآتها، أثناء حصارهم وحربهم على العراق - بالترجمة والمترجمين من العربية وإليها، فكوَّنوا أعداداً هائلة منهم، مِن حاملي الجنسية الأميركية، كما استقطبوا أساتذة من البلاد العربية لتدريسها، فارتقت اللغة العربية لديهم إلى الصف الثاني بعد الروسية، في مجال الدراسة الأكاديمية، بعد أنْ خُصِّصت لها مناهجُ متطوِّرة، وأن دفعتْ مؤسَّسات حكومية وغيرُها مصاريفَ ذلك التكوين، فكانت النتيجة إحكام القبضة على العراق، ونهب ثرواته، وتفتيت وحدته، وتدمير بنيته التحتية، وإعادته إلى ما قبل العصور الوسطى، على حد تعبير جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق.

هكذا نكتشف أن الترجمة الفورية والتحريرية معاً كانتا عنصراً فاعلاً في العبث ببلد بكامله، لتكون حاملة في طياتها للمتناقضات، فهي بمقدار ما يمكن أن تبني الجسور يُمكن أن تحطِّمها؛ وتَشهدُ على ذلك أدوارُها أثناء الحرب العالمية الثانية، التي استُعملت فيها الترجمة بكثافة للتواصل مع المدنِيّين، وفي التفاوض بين الجهتين المتحاربتين، بقيام المترجمين بدور إضافي هو الدبلوماسية، زيادةً على الجاسوسية حين تنصُّتهم على أجهزة اتصال العدو.

ولا يقتصر فعلُ التدمير على الترجمة في السياق الحربي، بل يَطُول الكتابة أيضاً التي لا غبار على أنّ الترجمة توجد ضمن مجالاتها، ولعل خير مثال عليها ما تخيَّله بورخيس في قصته الشهيرة "مترجمو ألف ليلة وليلة"، الواردة في مجموعته القصصية "حكاية الأبدية"، حين عرض المَسِيرَ التَّرجمي الذي قطعه "كتاب الكُتُب" -حسب عبارة خوان غويتيسولو-، في رحلته ضِمن لغات أوروبا وبين ثقافاتها.

ومثلما أن الكتُبَ تؤلَّف دوماً احتجاجاً على شيء ما، يُفترَض في الترجمة بدورها أن تكون ضدَّ شيء ما تسعى إلى محوه أو اجتثاثه. وتأكيداً لهذا الطرح، أورد بورخيس في قصة شيِّقة حرْباً طريفة مجالُها المُنجَز التَّرجمي، وأبطالُها من "سلالة مُتَعادية" هم المترجمون، الذين يتباغضون، ولو أنّ المسافة الزَّمكانية والحاجز اللغوي قد حالا دون الاتصال المباشر في ما بينهم، لأن المترجِم مهما ادّعى مَنْحَ حياةٍ جديدة للنص الأصل في اللغة المنقول إليها، فالأكيدُ أنه يروم إبطال ذلك الأصل بفرض بديله في اللغة المُضيفة، وليس الإبطال سوى صيغة أخرى للتدمير.

لقد استعرض بورخيس ترجمات "ألف ليلة وليلة" التي أُنجزت في ثلاث لغات هي الفرنسية والإنكليزية والألمانية. أنجز الترجمة إلى الفرنسية غَالان في اثني عشر مجلَّداً بين 1070 و1710، ومَارْدْرُو سنة 1899. ونقل الكِتابَ إلى الإنكليزية، سنة 1839، إِدْوارْدُو لانِي، الذي أعقبَه مغامِرٌ ومترجم إنكليزي آخر هو ريشارد فرنسيس بورتون بترجمة نُشِرت سنة 1872.

وترجم "ألف ليلة وليلة" إلى الألمانية كلٌّ من غوسْتَافو فِيْلْ الذي أذاع عمله بين 1839 و1842، ونشر ماكْس هِيِنيغْ، الذي سبق له أن ترجم القرآن، ترجمته لليالي بين سنتي 1895 و1897، وأصدرت دار النشر أَنْسِلْ فِرْلاغْ، قبل الحرب العالمية الأولى، ترجمة فيليكس بُولْ غْريفي، وظهرتْ بين 1923 و1928 الترجمة إلى الألمانية التي حرَّرها إِينْيُو ليتْمان.

انتهى الكاتب الأرجنتيني - بعد مُقارنات دقيقة بين الترجمات جميعها، لا يتسع المجال لاستعراضها - إلى أن "التدمير" كان هاجس كل مترجِم من "سلالة" المترجِمين المذكورين.

وقد يتهيَّأ لقارئ الحكاية أنّ حُكمَ بورخيس لا يستقيم، إذ كيف للمترجِم الأوَّل أنْ يُحرِّكه دافعٌ تدميري عِلْماً بأن لا ترجمة سابقة عليه، لكنْ علينا استحضارُ ما قُلناه أعلاه من أنَّ المُترجِم يتغيّا إلغاءَ الأصل، وأنْ تَحُلَّ ترجمتُه مكانَه، بل إن طموحَه يكون "التدمير" الاستباقي لما سيأتي من ترجمات لاحقة عليه، وتلك لعمري عبقرية بورخيس، التي تكتفي بالإشارة إلى اللبيب.

المساهمون