الترابي في كندا: اعتداء لا اغتيال

28 مايو 2020
الصورة
يلفت النظر في مقال الكاتب مهنا الحبيل، "من وراء قرار اغتيال الترابي" في "العربي الجديد" (26/5/2020)، ما حمله من معلومات مبتورة، وتعابير غامضة، بما لم يوفر إجابة شافية لتساؤله عمّن وراء قرار "محاولة اغتيال" الشيخ حسن الترابي في كندا عام 1992. لعلّ الكاتب أراد أن يبدأ بالقول إن الإعلام الأميركي أبدى اهتماماً مبالغا فيه بالدور الذي كان الترابي يحاول أن يلعبه لبناء نفوذٍ في إقليمه، وفي محاور انتمائه السودانية، إسلاميا وعربيا وأفريقيا. وإني لأعجب ما الحاجة إلى إشارة مرجعية إلى المحبوب عبد السلام الذي كان مساعدا للشيخ في السنوات الأولى لنظام الإنقاذ، والترابي هو عرّاب ذلك النظام والممسك بخيوط اللعبة في السودان، وما الحاجة للإشارة إلى إدوارد سعيد لتبيان ذلك؟
من الضروري على الكاتب أن يتبع رؤية موضوعية لما هو معلوم عن مفارقة الإعلام الأميركي، في أكثر الأحوال، بل واستقلاله تماماً، عن المواقف الرسمية للإدارة الأميركية بأذرعها ومؤسساتها. لم تكن زيارة الترابي الولايات المتحدة، في مايو/ أيار 1992، محض زيارة سياحية شخصية، بل كانت معدّأ لها إعدادا محكما بين وزارة الخارجية السودانية وسفارة الولايات المتحدة في الخرطوم ثم وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن. وليس سرّا أن الإدارة الأميركية، وبحكم اهتماماتها (ولا أقول مغامراتها) في الشرق الأوسط، تحمل هواجس وشكوكاً عن نظام إسلامويٍّ في السودان يسعى إلى توثيق علاقات مع البلدان الإسلامية، وخصوصا مع الجمهورية الإسلامية في إيران، غير أن الإعلام لم يفارق الهواجس الرسمية للإدارة الأميركية، فأبدى اهتماماً معمقا بطبيعة النيات السودانية الإيرانية المتطلعة إلى قيادة العالم الإسلامي، فيما الأوضاع ملتهبة في العراق وفي الخليج. لاستمزاج تلك النيات، دعت واشنطن عرّاب النظام الجديد في الخرطوم الشيخ الترابي، بغرض الاستماع لما عنده. خاطب الرجل اللجان المعنية في الكونغرس وفي وزارة الخارجية الأميركية.
قراءة الكاتب الحبيل شهادة الترابي على شاشة قناة الجزيرة، والتي بُثتْ بعد وفاته كما أوصى، 
هي قراءة لما حكاه الرجل بلسانه عن حادثة كندا، بعد أكثر من خمسة عشر عاما عليها. ولو كانت هذه "محاولة اغتيال"، كما يراها الكاتب أو سواه من رواة تلك الحادثة، فإنّ التحقيقات، بعد حادثة اعتداء السوداني هاشم بدر الدين على الترابي، لم تظهر أنه كان مدفوعا من جهة سياسية سودانية أوغيرها، بل أثبتت المحاضر أن ما وقع "مشادّة شخصية" بين سودانيين مدفوعين بتبني مواقف سياسية متباينة عن بلدهما، فكأنها مواجهة شخصية. ولذا لم تقم السلطات الكندية بإجراء أكثر مما هو مطلوب في هذه الحالات. ولأن زيارة الترابي كندا لم تكن ذات طابع رسمي، ولم يكن للسفارة السودانية من دور، سوى معالجة الجوانب القنصلية لمشادّة بين مواطنين سودانيين، خصوصا أنّ الشيخ حسن الترابي، حتى ذلك الحين، لم يكن معروفا (على الأقل لدى السلطات الكندية) أنه يشغل منصباً رسميا في الدولة السودانية، أو هو العرّاب الرئيس للنظام الحاكم في السودان. ومعلوم أن "العرّاب" في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع ليس صفة رسمية، لها ترتيبات مراسمية من أيّ نوع.
أما التلميح إلى أن قرارا صدر من جهة ما باغتيال الترابي، فلا مسوّغ له، بل ولا يبدو منطقياً. وفي تلك المقابلة مع "الجزيرة"، لم يتطرّق الراحل بنفسه إلى شيء عن أيّ طرف سوداني أو أجنبي كانت له مساعٍ للتخلص منه. والمقابلة متاحة على "يوتيوب" لمن أراد أن يتقصّى. ولكاتب هذه المقالة أن يضيف هنا أنه لو كانت للإدارة الأميركية، أو أيّ جهة تتبعها (غير الكونغرس أو وزارة الخارجية)، هواجس أو شكوك بشأن الرجل، فعملت للتخلص منه، فإن تلك الهواجس لا تبدو منطقية إزاء دعوته شبه الرسمية لزيارة الولايات المتحدة، وتكبّد مشاق الرحلة الطويلة من الخرطوم إلى واشنطن، لتتاح له مخاطبة الكونغرس ومسؤولين في الخارجية الأميركية، فإن كان ثمّة خطة للتخلص من الرجل، أما كان من السهل تنفيذها في الخرطوم نفسها؟
أما الإشارة تلميحاً خفياً إلى توجّس الطرف الأوروبي من دور قد يرجّح أن الترابي كان يلعبه في التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، فذلك لا يبرّر أي توجّه للتخلص منه. ثم إن خطة التخلص من الترابي، إن كان طرف أميركي أو كندي يرتب لها، فإن اختيار كندا مكانا للتنفيذ لا يبدو مناسبا. ليس لها مصالح سياسية أو اقتصادية مع السودان تبرّر ما يدفع أيّ طرفٍ مقيم في كندا للمضي تآمراً للتخلص من الترابي. ذلك محض ضربٍ من الخيال، وإنْ أوحى به الرجل في لقاء "الجزيرة" معه.
خلاصة الأمر أنّ الاعتداء الذي تعرّض له حسن الترابي في المطار الكندي ليس أكثر من مشادّة بين سودانيين، أحدهما، وهو بدر الدين هاشم، يكنّ عداءً للنظام الذي يرأسه الجنرال عمر البشير، هو انقلاب عسكري إسلاموي، عرّابه والعقل الذي دبر له كلّ شيء هو الترابي. ليسَ من جهة أجنبية لها ضلع أو أي صلة بتلك الحادثة، وليس من قرارٍ صدر لاغتياله من أيّ طرف أجنبي.
تعليق: