الاعتقالات في مصر: من زوّار الفجر إلى الاختطاف نهاراً

07 مايو 2018
الصورة
توسّعت ظاهرة الاعتقال في الشارع في عهد السيسي(فرانس برس)
عرفت مصر منذ سنوات طويلة أساليب عدة للأجهزة الأمنية في ملاحقة المعارضة على اختلاف توجهاتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولعل أبرز هذه الأساليب ما عُرف بـ"زوار الفجر". و"زوار الفجر" هو مصطلح أطلقته المعارضة في مصر للإشارة إلى اقتحام قوات أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) لمنازل المعارضين والشباب فجراً، بغية القبض عليهم، وهو ما كان شائعاً بشدة في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، قبل أن يتوقف هذا الأسلوب في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ليعود مجدداً عقب الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي من سدة الحكم في 3 يوليو/تموز 2013، ويبدأ في التوسّع بعد وصول عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم في 2014. وأطلق السيسي يد الأجهزة الأمنية لملاحقة المعارضين لحكمه كافة من دون أن يقتصر الأمر فقط على اعتقال أعضاء في التيار الإسلامي الذين كانوا يرفضون الإطاحة بمرسي ويتمسكون بشرعيته. ومع التوسّع في فرض القبضة الأمنية، ظهر نمط جديد من ملاحقة المعارضين، وهو "الاختطاف في وضح النهار"، إذ لم يعد يعمد جهاز الأمن الوطني إلى الاعتقال في جنح الظلام فقط.

ويرى مراقبون أن التوسّع في عمليات الاختطاف بهذه الطريقة، يشي بأن النظام الحالي لم يعد يكترث لأي انتقادات حول ملاحقة المعارضة. وتعرّض عدد من الشبان خلال الشهرين الماضيين تحديداً، لعمليات اعتقال ممنهجة نهاراً. وتبدأ هذه العمليات بعملية رصد دقيقة للشبان من قبل الأجهزة الأمنية، ثمّ نصب كمين لهم، ومن ثمّ اقتيادهم إلى جهات غير معلومة، ليظلوا تحت وقع "الاختفاء القسري" لأيام قد تطول أو تقصر، بحسب رؤية جهاز الأمن الوطني.

ووفقاً لشهود عيان لعملية اعتقال المصور بلال وجدي مطلع الشهر الجاري، فإنه بعد أدائه صلاة الجمعة، وعقب خروجه من المسجد، استوقفه شخص لا يبدو عليه العمل لجهة أمنية، وفور اقتراب وجدي منه جذبه بشدة وأمسكه من ملابسه، ثمّ أسرعت سيارة خاصة لا تحمل لوحات تابعة للشرطة وتوقفت أمام وجدي، لتضعه بداخلها، قبل أن تفر مسرعة من محيط المسجد، وتتوجه بعدها إلى منزله، لاعتقال والده أيضاً.


حالة أخرى تعرّضت لعملية اختطاف في وضح النهار، وهو مصطفى صبري، الذي تحكي زوجته قصة اعتقاله. وتقول، بحسب ما نشرت صفحة "إكسر كلابش" على موقع "فيسبوك"، التي تتابع قضايا المعتقلين والمختفين قسرياً: "امبارح (الشهر الماضي) الساعة واحدة أنا وزوجي بعد ما أخدنا ابننا الصغير من المدرسة، واتجهنا لميدان رامو ونزل زوجي من العربية، جاء الظَّلَمة -في إشارة إلى قوات الأمن-، وكتّفوه قدام عيني وقدام ابني الصغير". وتضيف: "لحظات واختفى زوجي وأنا تايهة... مسكت تليفوني عشان أستنجد بأي حد لأن جسمي كان بيترعش وابني على صرخة واحدة والتليفون كان طوق النجاة بالنسبة لي، ولكن جاء واحد منهم وأخد التليفون مني وقال بصوت بشع: (أنتي أكيد صورتي اللي حصل... تحايلت عليه يسيبه لأني مفيش أعصاب أروّح وعايزة أوصل لحد... رفض طبعاً... وطبعاً ابني البالغ أربع سنوات بيصرّخ".

في فترة ليست بعيدة عن اختطاف وجدي وصبري، وبالطريقة نفسها تقريباً، اختفى شريف الروبي عضو حركة شباب "6 إبريل"، إذ تعرّض لعملية اختطاف مماثلة خلال وجوده في محافظة الإسكندرية، قبل أن يظهر خلال التحقيق معه بتهمة نشر أخبار كاذبة.

وقال مصدر قريب من الأجهزة الأمنية، إن اعتقال بعض الأشخاص من الشارع، يكون بعد عملية رصد لهم ولتحركاتهم بعناية، من خلال مجموعة من المخبرين السريين العاملين في جهاز الأمن الوطني، مضيفاً في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الجهاز الأخير "بدأ يتبع هذا الأسلوب في عمليات القبض على بعض الأشخاص، من دون الحاجة للذهاب إلى منازلهم بصحبة ضباط من قسم الشرطة التابع لمنطقة إقامة الشخص المطلوب للأمن الوطني". وأشار المصدر إلى أنّ عملية الاختطاف من الشارع بعد نصب كمين، "توفر عناءً على ضباط الأمن الوطني، إذ لا يمكنهم التوجه إلى المنازل بمفردهم، بينما في الشارع كل شيء مباح".

من جانبه، قال حقوقي مصري يتابع قضايا المختفين قسرياً، إن "الجميع يعلم أنّ عمليات الاختطاف من الشارع يقف خلفها مباشرة جهاز الأمن الوطني، إلا أنها ليست بحجم اقتحام منزل"، مضيفاً في حديث لـ "العربي الجديد"، أن "هذا الأسلوب في الاختطاف ليس جديداً، ولكن كان متبعاً في القبض على العناصر الخطرة التي تمارس العنف، ولا تتواجد في منازلها، وبالتالي يتم نصب كمين عند أقارب هذه العناصر للقبض عليهم. ولكن التوسّع في استخدام هذا الأسلوب في القبض على المعارضة تحوّل خطير".

وأوضح الحقوقي أن "تقديم البلاغات في حالات الاختطاف من الشارع، لن تكون سوى بلاغات اختفاء عادية، بخلاف القبض على الشخص من منزله فجراً، إذ يتأكّد وجوده بهذه الحالة لدى الأجهزة الأمنية، وأنها هي المسؤولة عن اعتقاله. وذلك على عكس الاختطاف من الشارع، إذ إن الأمر في هذه الحالة سيكون مختلفاً، بحيث لا يمكن اتهام الأمن رسمياً بالوقوف وراء الاعتقال والاختفاء القسري"، مشيراً إلى أن "في حالة الاختطاف من الشارع سيكون هناك مبرر لدى الأجهزة الأمنية لإنكار وجود الشخص المختطف لديها تحت دعاوى الاختفاء الطبيعي لشخص ما أو الادعاء بهروبه إلى خارج مصر، وهو ما يخفف من الضغط عن الأجهزة، لا سيما بعد التقارير العديدة التي تحدثت عن توسع الأجهزة المصرية في عمليات الاختفاء القسري".