الاستفزاز الإسلاموفوبي .. وأخلاق المواجهة

07 سبتمبر 2020
الصورة

(كارلوس لطوف)

+ الخط -

ليست غفلة الزمان فقط ما تتيح للنكرات أن يصبحوا موضوع الساعة في الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، إنما طبيعة استجابة المُسْتَهدفين، والمتأتية من وهن النفس وعجلة التفكير وعاطفية ردود الأفعال تجاه أي استفزازٍ يتفنن به مهووس هنا أو حاقد هناك. لا جديد في الأمر، فالشعبوية المتمدّدة كفيلة بأن تفرز بشكل متكرّر من الإثارة المتطرّفة، بل والعنف والإرهاب ما لا حدود له، ففي الأسبوع نفسه الذي أصدرت فيه محكمة نيوزيلندية حكما بالسجن مدى الحياة، من دون عفو مشروط، على مرتكب مجزرة المسجدين التي قتل فيها 51 شخصا، بعد أن أطلق النار على المصلين في مارس/ آذار عام 2019 في مدينة كرايست تشيرتش. كان اليميني الدنماركي المناهض للهجرة والإسلام رئيس حزب "هارد لاين" (الخط المتشدد)، يعتزم السفر إلى السويد ليشرف على عمل استفزازي عابر للحدود تجاه أكثر من 1.9 مليار مسلم، وذلك بحرق أعصابهم ودوس مشاعرهم بحرق القرآن الكريم على الملأ. وعلى الرغم من منعه من دخول السويد، إلا أن الحدث الاستفزازي تم، إذ باشره ثلاثة من مناصريه في مدينة مالمو السويدية، والتي شهدت احتجاجات لنحو ثلاثمائة من المسلمين الغاضبين، ما خلف اضطراباتٍ وتخريبًا واشتباكًا مع الشرطة في المدينة. وليس هذا الحدث الأول، ولن يكون الأخير، فقائمة الأحداث بل والجرائم من الخلفية نفسها تطول، والجهات التي تغذّيها أو تباشرها ذات يد طولى في كل مكان، تحتمي بالقانون، وتستغل الحريات في أحيان كثيرة، والتي نفسها تضمن من حيث المبدأ مواجهتها والردّ عليها. لا مفاجأة إذًا، بل ثمّة ما هو نظير له أو أسوأ منها آت، فالظروف التي أنتجت ما مضى نفسها مستمرّة، ولا ظهير للمسلمين في مواجهتها سوى القوانين التي ترعى الحريات، وهي لا تُعنى كفايةً بآثار استغلال الحريات السيئ على السلم المجتمعي وحقوق الأقليات.

أحسن الأئمة والقادة الدينيون في غير مكان في تهدئة الناس، وحثّهم على الالتزام بالقوانين في الاحتجاج

ما ينبغي أن يتنبه إليه المسلمون، سيما في الغرب، أن عنصر القوة الأكبر الذي يستقوي به المتطرّفون الإسلاموفوبيون ليس ضعف المسلمين فقط، دولًا وشعوبًا ومهاجرين، إنما سهولة استفزازهم وصناعة موقفٍ جارح نحوهم، بحيث يمكن لأي حدث بسيط (من منظور الحريات الغربية) أن يستثيرهم، فيهيجوا في ردود الفعل، ويخرقوا القوانين بعنف مضادّ يستفز عامة الناس الذين ليسوا طرفًا، فيسجّلوا على المسلمين مبرّرًا جديدًا لوصمهم بكل ما هو سلبي، وأنهم لا يحترمون القانون في البلد الذي يقيمون به. تتكرّر ردود الفعل هذه غير مرّة، وأخذت شكل أعمال إرهابية أحيانًا، والغالب أن من يُباشرها أناسٌ مسلمون في الانتماء فقط، وليسوا من الملتزمين دينيًا، وقد أحسن الأئمة والقادة الدينيون في غير مكان في تهدئة الناس، وحثّهم على الالتزام بالقوانين في الاحتجاج، لكن ما ينبغي أن يتجه إليه الوعي والتثقيف الديني أبعد من ذلك، وهو التوعية في معنى القداسة والاعتزاز بالدين، والتي لا تهزّها الحكمة والصبر على الأذى، كما تقتضي الأخلاقيات التي ينبغي الالتزام بها تجاه هذه الاستفزازات، وكذلك التوعية بالسياسات التي ينبغي اتّباعها في كل سياق، فالصورة التي يشيع فيها الاحتجاج، سيما في الدول الغربية، حيث المسلمون أقليات، وغير معترفٍ بدينهم رسميًا في معظم الدول، لا تنم عن التزام ديني أو خلقي، إذ تتجاوز ما يسمح به القانون، ويُتَعدى فيها على حقوق الناس وأملاكهم، وتخرج عن السيطرة في أحيان كثيرة، فضلًا عن العنف والغلظة التي تصدّ الناس، ابتداء عن تفهم القضية أو مناقشتها.

ماذا لو فكّر المسلمون المحتجّون، على سبيل السياسة، إن لم يكونوا قادرين على الصبر والدفع بالتي أحسن، فقدّموا الورود للمتطرّفين، ودعوهم إلى الحوار على الملأ

ثمّة مُسَلمة أخلاقية راسخة، ثَبَّتها القرآن الكريم في غير مكان، واصفًا سر نجاح الرسول صلى الله عليه وسلم "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" (آل عمران: 159)، ولئن كان سياق الآية يتحدّث عن المؤمنين أو المنافقين على خلاف، إلا أن ما تحيل إليه الآية، كما في آياتٍ أخرى، هو وصفٌ ثابتٌ في شخص النبي لا يتخلف، وهو الرحمة واللين، حتى إن كتب المأثورات تروي أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة : "ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح". تلك الصفات الخُلقية تفسّر حال المسلمين، أقلية في المرحلة المكية، والتي كان فيها من العنف والإهانة والسخرية تجاه الرسول والمسلمين ما لا يقارن بنظير، تلك الأخلاق هي التي هيأت للمرحلة المدنية، واستمرّت معها إلى النهاية، ولم تتخلف حتى في الحروب، والتي اختصّت بما ورد من شدة على الكفار في ساحة القتال، حيث اضطرّوا إليه عاملا من عوامل النصر في المعركة، لا دافعا للانتقام والثأر. لذا كانت تلك الشدة تنقلب إلى اللين والرحمة مع العدو، بعد النصر عليه، كما كان الحال مع أهل مكّة "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وهم الذين أهانوا المسلمين من قبل، وأخرجوهم من ديارهم وآذوهم.

المسار الخلقي الذي ينبغي أن يتديّن به المسلمون بحاجةٍ إلى برامج تثقيف وتوعية قانونية رديفة، ولا يحول ذلك دون اتخاذ الوسائل القانونية لحفظ حقوقهم

هل كان أيٌّ من هذه المعاني مُتَمَثلًا في الاحتجاج على من يحرق القرآن، أو أي استفزاز آخر نظير له؟ ماذا لو استحضر المسلمون في ذلك المشهد خُلُق النبي، بعدما أصابه من أذى قومه، ولجأ داعيًا "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون"، ماذا لو فكّر المسلمون المحتجّون على سبيل السياسة، إن لم يكونوا قادرين على خلق الصبر والدفع بالتي أحسن، فقدّموا الورود للمتطرّفين، ودعوهم إلى الحوار على الملأ، في مشهدٍ تنقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي يستثمرها المتطرّفون. من سيربح الرأي العام، في هذه الحالة؟ هل سيكون المتردّد في موقفه متعاطفًا مع المتطرّف الذي يحرق القرآن، أم مع من يدعوه إلى الحوار، ويحتجّ باحترامٍ على تماديه في ممارسته حريته التي يكفلها القانون؟ أي المشهديْن سيكون مؤثرًا لصالح المسلمين، مشهد الاحتجاج بالعنف والتخريب والاعتداء على الأموال والممتلكات، أم مشهد الاحتجاج بأخلاق إسلامية راسخة، تعكس سر نجاح الدعوة المحمدية في وسط لم يكن أقل سوءا واستفزازًا.
هذا المسار الخلقي الذي ينبغي أن يتديّن به المسلمون في كل مكان، وفي بلاد المهجر على الوجه الخصوص، وهو بحاجةٍ كذلك إلى برامج تثقيف وتوعية قانونية رديفة، ولا يحول ذلك دون اتخاذ الوسائل القانونية لحفظ حقوقهم، كما لا يُعفي الدول والمؤسسات الإسلامية من تحمل مسؤولياتها تجاه ما يتعرّض له المسلمون من تمييز أو اضطهاد في غير مكان، بل يمكن القول إن بعض المؤسسات الحقوقية الغربية هي، في أحيان كثيرة، أكفأ في تحمّل المسؤولية من دول إسلامية تُسَخِّر إعلامها في الاتجاه المعاكس.