الاحتلال وافتراءات التسمية

31 يوليو 2019
الصورة
(من الاحتفالات بالإعلان عن الاستقلال الداخلي في تونس، 1954)
+ الخط -

ليس هناك ما هو أبعد عن الارتجال والبراءة عند تسمية الاحتلال لذاته ولآثاره في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فقد أسفرت آلتُه الدِّعائية عن حيلٍ في صناعة الواقع وتحوير تصوّراتنا عنه، في تشويهٍ طاوَل حقيقته الأصليّة ومفاعيلَه على البلاد العربية. فقد جمَّل هويّتَه الجوهرية حتى يُصيِّر ما عداها من الحقائق مجرّد تفاصيل لا يؤبه بها. ذلك أنَّ الماكينة الحزبية والدبلوماسية، وحتى العسكرية، عَدَلت عن تسمية "الاحتلال" باسمه الحقيقي، واختارت له من الأسماء: "استعماراً"، وهو ما يُبعد عنه لَوْثةَ الفظاعة ويلمِّع صورته في أعين المحتَلِّين.

وقد اشتقّ هذا المصدر من جذر (ع. م. ر)، الذي يقول عنه ابن فارس، في "مقاييس اللغة": "العين والميم والراء، أصلان صحيحان، أحدهما يدلّ على بقاء وامتداد زمان، والآخر على شيء يعلو من صوتٍ وغيرِه، ومنه: عِمارةُ الأرض، يُقال: عَمَرَ الناس الأرضَ عِمَارةً، وهم يعمُرونها، وهي عامِرةٌ معمُورةٌ (...)، واستعمَرَ اللهُ الناسَ في الأرض لِيَعمروها". وفي لسان العرب مثل هذا: "أعمرَه المكانَ واستعمَرَه فيه جَعله يَعْمُرهُ".

وهكذا، تذهب مَعاجم العربية القديمة إلى إظهار هذا المعنى الإيجابي في الجذر ومشتقاته، إذ العِمارة نقيض الخراب، كما أكَّد صاحبُ "المفردات في غريب القرآن". وعلى هذا المعنى الرفيع، المتصل بالتصوّر الديني لوظيفة الإنسان في الكون، سار جلُّ المفسرين في تفسير الآية الكريمة: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (سورة هود، الآية 61). أَيْ: أَذِنَ لكم في عِمارتها واستخراجِ قوتِكم منها وجعَلَكم عُمَّارَها. والمَعْمَرُ : المَنْزِلُ الواسع من جهة الماء والكَلأ الذي يُقامُ فيه".

وأضاف محمد الطاهر بن عاشور، وهو من مُفسِّري عصرنا: "الاستعمار: الإعمار، أي جَعَلَكم عامريها، فالسين والتاء للمبالغة كالتي في استبقى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغَرس والزرع لأن ذلك يعدّ تعميراً للأرض، حتى سُمي الحرث عمارة لأن المقصود منه عمر الأرض".

فلئن كانت الذاكرة الدلالية للكلمة بهذه الإيجابية، فلماذا استعملها العَرب لتوصيف ظاهرة بغيضة مثل الاحتلال؟ ويدور السؤال المُلحّ، الذي لا جوابَ قاطعاً له، حول أوّل من استخدَم هذه الكلمة وأشاعها بين الناس، وهل كان استخدامه لها نابعاً عن حُسن نية، بقصد الإشادة بمظاهر "الإعمار" التي أتى بها الفرنسيون أو الإنكليز، وضخّموها ضمن إيديولوجية "المهمة الحضارية" التي ظلوا يبررون بها "حضورَهم" في الأراضي المحتلة.

سيكون البحث في هذا الاتجاه مفيداً على أكثر من صعيد، بدءاً من تتبع تاريخ الدلالات العربية والكشفِ عن الجُذور الأولى لحقل مُعجمي كاملٍ يدور حول الاستعمار ومُرادفاته من أجل تعرية الظروف التي شاع فيها خطابٌ تبريري - تمجيدي عن هذه الظاهرة البغيضة. إذ يَصعب التصديق أنَّ اسم "استعمار"، ومرادفاته: انتداب، حماية، استيطان..، بما تحمله من حمولات إيجابية قد وُجدت صُدفة، ودون تدخل واعٍ في اختيارها بقصد التخفيف من حدة آثارها التدميرية للأرض بما هي استلاب لأصحابها الحقيقيين وطمس لعناصر الهوية الثقافية كاللغة العربية والديانة الإسلامية.

ومن المستبعد، منطقيّاً وتاريخيّاً، أن يُنظر إلى هذا الحضور القسري هذه النظرة الإيجابية وأن يُصطلح عليها، بما أنَّ التسمية اصطلاح، بهذه الأسماء الراقية. ويَجدر التذكير بأنّ هذه التسميات رسميّة وسُلطوية، أي إنّ السلطات الفرنسية، ومَن يَعمل في ركابها من القادة المحليين (البايات والدايات والأمراء) هم الذين رسّخوا هذا الاستخدام كما لو كان مُجرَّد اصطلاح إداري، عِلماً أنهم فقدوا كل هامش فعلي للرفض والمقاومة.

أما مسمى "الحماية" فهو أمعنُ في المكر لأنه يجعل من "الاحتلال" حماية تُعطيها فرنسا إلى تونس (1881) أو المغرب (1912). وليس لها من مسوّغ إلا بسط النفوذ والهيمنة أو الإيهام بحماية تلك الإيالات من الحكم العثماني ومن توابعه كالفقر والجهل والتخلف.

وأما الانتداب فهو في التسمية أخفى، قُدِّم فيه الاحتلال البريطاني، الذي شمل فلسطين والعراق والأردن، كما لو كان توكيلاً خَوَّلَ الإنكليز رعاية شؤون تلك البلاد وأهاليها، وطلب منهم الإشراف عليهم، عن طريق النّدب. وأصله الحثّ على فعل الخير.

وكما تفرض السلطات كلماتها فإنها تفرض المعاني التي تضعها بإزائها وتُشيع بقوة خطابها السلطوي وأدواتها السياسية والعسكرية والإعلامية الدلالةَ التي ترتضيها من وراء تلك الكلمات.

ولكنَّ اللعبة لا تقف عند انتقاء المفردات وفرضها في الخطاب، بل تمتدّ إلى ضخّ الحمولات والفويرقات الدلالية. فإذا سلمّنا أنّ القوى الاستعمارية قد نجحت في فرض تسمياتها على الوقائع، فلا شكّ أنّ العرب، في المقابل، قد نجحوا في استدراج كلمات: استعمار وحماية وانتداب إلى مساحات الصور السلبيّة، حتى أنها اليوم، ومنذ عقود، قد خلت من تلك المعاني الإيجابية التي عمل الغزاة على تمريرها. إنه صراعٌ دقيقٌ على معاني هذي الاستخدامات المتناقضة.

المساهمون