الإمارات وأوهام السلام مع إسرائيل

21 اغسطس 2020
الصورة

حين ذهب الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، في زيارة إلى القدس المحتلة عام 1977، سال حبر كثير حول الحصاد الذي ستجنيه مصر والمنطقة من السلام بين مصر وإسرائيل، وما سيشهده الشرق الأوسط من تحولاتٍ شاملةٍ بفضل التلاقي بين العدوين، إسرائيل التي تحتل أراضي عربية، ومصر أكبر دولة عربية. ومرت عدة سنوات، وبقي الحال على ما هو عليه، حتى إن سيناء لم تعد للسيادة المصرية التامة حتى اليوم. وتكرّر وهم السلام لدى توقيع كل الاتفاقات التي جرى التوصل إليها لاحقاً، مثل أوسلو ووادي عربة، ولم تختلف المآلات عن كامب ديفيد، لجهة عدم حصول رخاء اقتصادي، وعدم احترام إسرائيل الاتفاقات، وخصوصاً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي لا ترى تل أبيب لها حلاً سوى ضم الضفة الغربية، واستمرار العدوان على قطاع غزة.

هناك نتيجة واحدة لا تقبل النقاش، وليست بحاجة إلى برهان، أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من الاتفاقات، ومع كل اتفاق جديد تجني مكاسب إضافية. وعلى صعيد اتفاقها مع الإمارات، فإنها ستحقق مكاسب مجانية عديدة، وأول ما ستحصل عليه تل أبيب هو اعتراف الإمارات، وهذا يعني أن الإمارات تُقرّ باحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية، وتوافق على موقف إسرائيل الرافض إقامة دولة فلسطينية مستقلة. والمكسب الثاني بالنسبة إلى إسرائيل، أن الإمارات تنسحب من كل الالتزامات العربية تجاه فلسطين، وتدير ظهرها لكل التعهدات التي اتخذتها هيئات العمل العربي المشترك ومؤسساته تجاه فلسطين وإسرائيل، وهي تطوي بذلك صفحة مساندة نضال الشعب الفلسطيني، وهذا يعني أنها ستوقف كل أشكال الدعم لهذا الشعب في الداخل على وجه التحديد. وفي داخل الإمارات وفي صحافة السعودية، بدأنا نشهد حملة ضد الفلسطينيين، وتجد صداها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا أمر ستكون له انعكاسات خطيرة، بالنظر إلى العدد الكبير من الفلسطينيين الذين يقيمون في الإمارات ويعملون فيها.

أما المكسب الإسرائيلي الثالث، فيتمثل في أن الإمارات تدخل رسمياً في المحور الإسرائيلي ضد إيران وتركيا، ومن شأن هذا أن ينقل منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى مستوى جديد من النزاعات والحروب وسباق التسلح. ومن المرجّح أن الخليج سيكون ساحة مفتوحة لهذا النزاع، وسيلحق به ضرر كبير، بالنظر إلى بنيته الهشة.

الإمارات وبعض دول الخليج، ومنها السعودية، على عجالة من أمرها، لإقامة شراكة مفتوحة وغير مدروسة مع إسرائيل، في حين أن الأخيرة تحسب خطواتها جيداً، وتعرف ما الذي تريده من فتح هذه الصفحة، وظهر ذلك من خلال النقاشات الداخلية التي سبقت زيارة رئيس الموساد، يوسي كوهين، أبوظبي يوم الاثنين الماضي. ومجرّد تكليف شخصية أمنية صياغة بنود اتفاق التحالف، يعني أن الأمن هو البند الأول وأساس الاتفاق، وهذا أمر ثابت في كل الاتفاقات التي وقّعتها إسرائيل مع الأطراف العربية، إذ إنها تعمل وفق قاعدة أن أمن الأنظمة العربية من أمن إسرائيل، وهي المعادلة التي طرحها رامي مخلوف بهذه الصراحة والمباشرة عام 2011، حين بدا أن الحراك الشعبي يمكن أن يهدّد حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

وإزاء ذلك كله، تدرك إسرائيل حقيقة أساسية، أن الاتفاقات التي وقّعتها مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية ساعدتها على القفز فوق حل القضية الفلسطينية والتمدّد استيطانياً، إلا أنها لم تتمكّن من إنهاء القضية الفلسطينية، التي كلما وُلد جيل كان أكثر إصراراً من سابقه على الخلاص من الاحتلال.

كان رئيس إسرائيل الأسبق، شمعون بيريز، عرّاب مشروع الشرق الأوسط الكبير، يردد عبارة "علينا أن نعتمد على الخيال أكثر من اعتمادنا على الذاكرة". ولهذا فإن التحالف الإسرائيلي - العربي قد يصبح قفزة من وحي الخيال، ما دام يتجاوز حقائق الواقع.