الأنبار بعد "داعش"... آلام وصدمات يجرجرها عراقيون

19 فبراير 2018
الصورة
ما زال يذكر هذا المخيّم (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
بعد تحرير الأنبار من "داعش"، ما زال أهلها وسكانها يجرجرون ما خلّفه لديهم ووسطهم ذلك التنظيم الذي ترك آثاره المدمّرة في داخلهم وفي أملاكهم ومنطقتهم

تستعيد محافظة الأنبار حياتها، فتمتلئ مقاهيها بالرجال من جديد، وتنتعش أسواقها وشوارعها بمرتاديها، وتعود الحركة إلى دوائرها الحكومية بعد التزام موظفيها وموظفاتها بالدوام الرسمي. وهذه المحافظة الواقعة غربيّ العراق تحاول النهوض على الرغم من تغيّر معالمها وعلى الرغم من كلّ ما خلّفه تنظيم "داعش" في أرجائها.

سكّان المحافظة تعرّضوا جميعهم لخسائر مادية، لكنّ كثيرين منهم أتت خسائرهم أكثر فداحة من مواطنين آخرين إذ فقدوا أفراداً من العائلة. ويبدو واضحاً الألم وكذلك الحزن والفقد عليهم، ولا سيّما أنّ من بينهم من تعرّض لأزمات نفسية.

في كوخ يقع وسط مزرعة في منطقة الجزيرة، شماليّ الرمادي مركز محافظة الأنبار، يقضي الحاج محمد المخلف نهاره ويعود إلى داره عند حلول الظلام. يخبر أهله أنّه لم يعد يتحدث إليهم ولا إلى أيّ شخص آخر بعدما صُدِم بمقتل ولده قبل أكثر من عامَين. يخبر عمر خليل وهو ابن شقيق الحاج محمد، "العربي الجديد"، أنّ "عمّي تعرّض لصدمة حادة إذ شهد بنفسه مصرع ابنه حين سقط صاروخ أطلقه مقاتلو داعش في أثناء المعركة مع القوات العراقية في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2015". يُذكر أنّ الصاروخ كان قد سقط على سطح منزله، فانهار جزء منه وقتل ولده. يضيف عمر أنّ عمّه "بقي صامتاً ومذهولاً لأكثر من يومَين اثنَين. هو رأى بأمّ عينه كيف غطّت الدماء وجه ابنه. ومنذ ذلك الحين، لا يتحدث إلينا". ويتابع أنّه "في كل يوم، يذهب عمي إلى مزرعته التي كان يرعاها ولده الفقيد أحمد. وأحمد كان ذكياً وعرف كيف يدير مزرعة والده ويطوّر إنتاجها. كذلك، بنى فيها كوخاً صغيراً للراحة وأنشأ منحلاً يدرّ ربحاً جيداً من إنتاج العسل. لقد كان أحمد شاباً خلوقاً يفخر به والده الذي كان يخطط لتزويجه".

"كنّا نتمنى الموت"
حكاية الحاج محمد مجرّد عيّنة من حالات كثيرة تسبّب فيها "داعش" وكلّ ما ارتكبه في المناطق التي كان قد احتلّها في العراق. وتلك الحالات تشمل صدمات وأزمات واضطرابات نفسيّة تختلف أشكالها. ولا يتردّد عراقيّون كثر في سرد ما عايشوه من حوادث مفجعة.

فؤاد العبيدي من مدينة الفلوجة، غربيّ بغداد، يؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "ما عشناه يفوق الخيال. كنّا نتمنى الموت. ولولا أنّنا مسلمون ومؤمنون بما حرّم الله، لكنّا انتحرنا. ليس سهلاً أن يُحكم أشخاص أسوياء من قبل داعش ويخرجون بكامل قواهم العقلية". ويقول إنّ "عناصر داعش في غالبهم شباب لا يملكون الثقافة ولا الوعي، ويطمحون لتحقيق مآرب معينة"، شارحاً أنّ "كثيرين انضموا إلى داعش وهم ليسوا مؤمنين بفكر ذلك التنظيم الإرهابي. هم انضمّوا إليه لأنّهم ظنّوا أنّه يحقق لهم ما كانوا يفتقرون إليه وما لم يتمكنوا من تحقيقه". يضيف أنّ "بعض المنضمّين إلى داعش على سبيل المثال، حاول الانتقام من المجتمع الذي نبذه في السابق لسوء أخلاقه، وهذه حال أشخاص كانوا معروفين بيننا بسوء أخلاقهم. وثمّة من انضم إلى داعش لينال القوة والسلطة والجاه التي كان يحلم بها، وبعض آخر كان يطمح إلى تحقيق نزواته من خلال ما يشرّعه التنظيم من قوانين وفتاوى لا تمتّ إلى الأخلاق بصلة، كسبي النساء وبيع الجواري وشرائها وغير ذلك".

يقرّ العبيدي في هذا السياق، بأنّه راجع طبيباً متخصصاً في الأمراض النفسية في بغداد، "وقد خضعت لعدد من جلسات العلاج تحت إشراف الطبيب الذي أوصاني بالاختلاط بالناس وحضور المناسبات العامة والمشاركة باحتفالات الأطفال ومزاولة رياضات جماعية والخروج في نزهات". يضيف: "لقد عايشت داعش لفترة شهرَين ثم نجحت في الهرب من مدينتي الفلوجة. رأيت بأمّ عيني إعدامات وانتهاكات مخزية في حقّ الإنسانية على يد عناصر داعش. لقد كان تأثير هذه المشاهد أليماً ومريعاً، وبقيت لفترة طويلة أعجز عن النوم ليلاً". ويتابع: "لقد ساعدتني قناعتي بالحاجة إلى علاج نفسي، وكذلك إمكانيتي المادية التي سمحت خضوعي للعلاج. لكنّ ثمّة آلافاً غيري ليسوا قادرين على ذلك، وهؤلاء قد تسوء حالتهم النفسية بصورة كبيرة". ويؤكد: "رأيت أشخاصاً يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة".

حثّ على الصبر
على الرغم من مضيّ أكثر من عام على تحرير مدن عراقية عدّة من تنظيم داعش وعودة سكانها إليها بعد فترة نزوح قاسية، ما زال الناس فيها يتحدّثون خلال اجتماعهم في مناسبة ما أو في مقهى أو حتى في مؤسسة حكومية، عن المآسي التي عرفوها. وكثيرون منهم يرون أنّهم أصحاب حظ كبير لأنّ خسائرهم لم تأتِ كبيرة. من بين هؤلاء جاسم زبيد الذي كان مربياً للماشية إلى جانب عمله في تجارة السيارات.



وزبيد خمسينيّ يسكن في محافظة صلاح الدين، شماليّ بغداد، يعبّر عن سعادته إذ إنّ أحداً من أسرته لم يفقد حياته. يخبر "العربي الجديد" أنّه كان يملك أكثر من 300 رأس من الأغنام ويعيش في مزرعته الكبيرة، وحين هرب برفقة عائلته بعد سيطرة "داعش" على قريته في ناحية العَلَم، ترك كثيراً ممّا يملك خلفه. ويشير إلى أنّ "أحد العاملين لديّ في المزرعة قرّر البقاء وعدم الهروب، فهو كان من ذوي الإعاقة وحالته الصحية لم تسمح له بمغادرة بيته. فائتمنته على بيتي وممتلكاتي، لأعلم في وقت لاحق أنّ عناصر من داعش قتلوه وسرقوا الماشية وخمس سيارات كنت قد تركتها في مرأب البيت". يضيف: "وقد عاثوا في بيتي خراباً، بعدما اتخذوه موقعاً لهم وتحصّنوا في داخله خلال معركة مع القوات العراقية. وقد هُدم جزء كبير منه بسبب القصف والمعارك".

ويتابع زبيد الذي عاد إلى قريته قبل أشهر عدّة، "أحاول مع رجال آخرين التخفيف عن كواهل أسر في القرية. كلّها فقدت أفراداً منها، فداعش خلّف عشرات الأرامل والأيتام. وهذه كارثة حقيقية". ويلفت إلى أنّ "ثمّة رجالاً ونساء كثيرين مصابون بحالات نفسية صعبة، ومن بينهم أمهات وآباء يقضون يومياً أوقاتاً طويلة بجوار قبور أبنائهم الذين دفنوهم في مزارعهم أو إلى جانب بيوتهم داخل القرية. لذلك، صرت أستعين بأحد رجال الدين الذي يزور القرية باستمرار، ليحثّهم على الصبر ويروي لهم من الأحاديث والقصص التي تزيل عنهم الهموم، ويذكّرهم بالآخرة ويقصّ عليهم من سير الأنبياء والصحابة والتابعين".





صغار فزعون
من جهته، يتحدّث الناشط في مجال حقوق الإنسان، بشار العزاوي، كيف أنّ آثار "داعش" موجودة في كلّ مكان سبق وفرض التنظيم سيطرته عليه. والعزاوي الذي عمل طويلاً مع النازحين، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "نشاطات المنظمات المدنية تشتمل التخفيف من التوتر والخوف والرعب والحالات النفسية الصعبة بين هؤلاء، بالإضافة إلى محو صورة داعش من مخيّلة الأطفال أولاً". ويخبر عن "فزع بعض الصغار في مخيّمات النزوح، الذين كانوا يصرخون خلال نومهم ويتلفظون بكلمات مثل إعدام أو ذبحوه. فكثيرة هي العبارات القاسية التي طُبعت في ذاكرتهم، ولا سيّما أنّهم شهدوا عمليات ذبح وقتل بالإضافة إلى أنّهم رأوا مشاهد مرعبة أخرى".

ويشير العزاوي إلى أنّ "منظمات إنسانية عدّة تعمل على تأهيل هؤلاء الأطفال، إذ هم يتأثرون بطريق أسرع وأعمق ممّا يفعل الكبار"، مؤكداً أنّه في حال عدم أخذ أوضاع هؤلاء الأطفال على محمل الجد، فإنّ حالاتهم النفسية سوف تصير أكثر تعقيداً، وهذا ما حصل بالفعل لعدد من الأطفال في الموصل ومناطق أخرى". يضيف العزاوي أنّه شهد تأثّر أمهات وآباء بعد مقتل أبنائهم على يد داعش، أو من جرّاء القصف على مناطقهم التي يتحصّن فيها داعش، موضحاً أنّ "كان من الصعب إرجاعهم إلى ما كانوا عليه قبل تلك الحوادث. وبعضهم يعاني من صدمات حادة".





تفاؤل ولكن...
في السياق، يحاول الطبيب المتخصص في الأمراض النفسية والعقلية في مديرية صحة الأنبار، الدكتور محمد عبد الرحمن راجي، أن يكون متفائلاً، فيشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "المشكلات النفسية التي نلاحظها اليوم هي بجزء كبير منها مرحلية، وسوف تتلاشى عند توفّر عوامل مساعدة لذلك". ويقول راجي إنّ "أكثر من 80 في المائة من سكان الأنبار تعرّضوا لصدمات خلال الحرب، بسبب القصف ومشاهد القتل والذبح والحرق وفرارهم من مناطق المعارك وتهديد المليشيات. وكلّ ذلك خلّف لديهم بالتأكيد آثاراً نفسية تُرجمت بحالات من قبيل الاكتئاب، والهوس، والعزلة عن العالم، وقصور الانتباه بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، وشرود الذهن، إلى جانب فرط الانفعال أو الغضب الذي يُعَدّ الأخطر والأكثر انتشاراً في الأنبار". يضيف أنّ "ذلك يخلّف مشكلات اجتماعية ينتهي بعضها على سبيل المثال بالقتل أو السجن أو الطلاق أو الفراق والعداء بين أفراد العائلة الواحدة".




ويتابع راجي أنّ "المشكلات النفسية الظاهرة هي كثيرة، لكنّنا نرى أنّها تتراجع وهذا سبب تفاؤلنا"، لافتاً إلى أنّ "ثمّة أدوية مهدّئة قد تفيد الحالات الصعبة لكنّنا لا نحبّذ وصفها دائماً". ويشدد على أنّ "الدولة وكذلك منظمات المجتمع المدني معنيّة في هذا الإطار، ولا بدّ من أن تساهم في التخفيف على الأشخاص المعنيين".