الأصالة والمعاصرة المغربي... حزب "استثنائي" يواجه مرحلة صعبة

14 اغسطس 2017
الصورة
قاد العماري حزبه للمرتبة الثانية تشريعياً (فرانس برس)

بإعلان إلياس العماري استقالته من حزب الأصالة والمعاصرة، يكون هذا الحزب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها بالمغرب منذ نشأته عام 2008، يعيش منعطفاً سياسياً حاسماً، يضعه في مفترق الطرق، ويفتح سيناريوهات مآله ومستقبله على مصراعيها، ما ينذر بتغير موازين القوى الحزبية في المغرب.

العماري أمضى عاماً ونصف العام على رأس حزب الأصالة والمعاصرة، الذي احتل المرتبة الثانية خلف حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الماضية في العام الماضي. شكّل العماري خلالها صورة سياسي مثير للجدل، وصورة رجل نافذ، بنى جزءاً منها على "صداقته" الوثيقة مع مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، رغم نفيه المتكرر هذه العلاقة الوطيدة.

وخرج هذا الحزب الذي يصفه الكثيرون بالاستثنائي، بالنظر إلى ظروف نشأته ومساره السياسي والانتخابي ومعارضته الشديدة لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، إلى الوجود من جبة حركة "لكل الديمقراطيين" التي كان وراء إحداثها صديق الملك عالي الهمة قبل أن ينسحب منها، ويستقر في مناصب سامية.

وضمّ الحزب في تركيبته عدداً من اليساريين، كثير منهم جربوا محنة الاعتقال بما يسمى "سنوات الرصاص" إبان حكم الملك الراحل الحسن الثاني، قبل أن ينالوا حريتهم ويحصل بعضهم على جبر الضرر المادي لسنوات السجن المريرة. كما ضمّ بين جناحيه فئة الأعيان والتقدميين وأشخاص من مختلف المشارب والانتماءات تجمعوا تحت مظلة "الجرار"، وهو شعار حزب الأصالة والمعاصرة.

وبنى حزب الأصالة والمعاصرة جزءاً كبيراً من استراتيجيته ومشروعه السياسي وحتى مساره الانتخابي على مبدأ معاداة الإسلاميين، وتحديدا حزب العدالة والتنمية، وهو ما ظهر بشكل صارخ وحاد إبان ولاية العماري وفترة تواجد عبد الإله بنكيران على رأس العدالة والتنمية.

واصطدم الرجلان معاً، بنكيران والعماري، كما تصادم الحزبان في كثير من المحطات والمواقف السياسية، إلى حد تبادل اتهامات حادة من قبيل الاختلاس والتحكم بين زعيمي الحزبين، وهي الاتهامات التي استخدمها كل طرف ضد الآخر في مرحلة الانتخابات.



وإن كان يحسب للعماري أنه استطاع تشكيل نوع من التوازن السياسي بين المكونات غير المتجانسة التي تكون نواة الحزب من أعيان ويمينيين ويساريين، فإنه بالمقابل "فشل" في هزم بنكيران وحزبه انتخابياً على الأقل، إذ تصدر العدالة والتنمية الانتخابات الجماعية عام 2015 وايضاً الانتخابات التشريعية عام 2016، وخلفه جاء حزب العماري.

وعلى الرغم من صورة الرجل القوي والنافذ الذي يمتلك علاقات وثيقة مع صناع القرار بالبلاد، كما يروج داخل المشهد السياسي والحزبي، فإن شعبية العماري لم تستطع حصر الشعبية الجارفة التي امتلكها خصمه العنيد بنكيران، وهو ما دلت عليه لقاءات هذا الأخير مع الناخبين والمواطنين في أكثر من مناسبة.

وإذا كان العماري قد عزا استقالته من هرم حزب الأصالة والمعاصرة إلى عوامل ذاتية بالأساس، من دون أن ينفي ربطها بالتفاعل مع خطاب العاهل المغربي الذي حمل الأحزاب مسؤولية تردي الأوضاع في بعض المناطق، خاصة مدينة الحسيمة، فإن المؤكد أن الاستقالة هي نتيجة لارتدادات نتائج الانتخابات البرلمانية التي منحت السبق لإخوان بنكيران.



ورأى مراقبون أن العماري كان يمثل تياراً داخل الدولة يسعى إلى دحر إسلاميي العدالة والتنمية، لكن بما أنه لم يتمكن من تحقيق هذا الهدف، باعتبار أن هذا الحزب تصدّر الانتخابات التشريعية مرتين، في 2011 ثم في 2016، لم تعد الدولة في حاجة إلى "خدمات العماري"، فكان الانسحاب من رأس الأصالة والمعاصرة الحل الأنسب لمداراة هذا الفشل.

وطيلة مسار علاقة الدولة المركزية بالأحزاب السياسية في المغرب، كانت السلطة تقرّب إليها حزباً بعينه، تجعله بمثابة "حزب أغلبي" تصد به باقي الأحزاب الراغبة في بلوغ سدة الحكومة، من قبيل حزب "الفديك" أو حزب "الأحرار" في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ثم حزب الأصالة والمعاصرة في الوقت الراهن.

وبعد استقالة العماري من رأس الأصالة والمعاصرة باتت تُطرح سيناريوهات تشكل مآل ومستقبل هذا الحزب، الأول أنه سيتحول من "حزب استثنائي" إلى حزب عادي بعد تواري العماري عن قيادة هذه الهيئة السياسية. بالتالي تخف حدة الاصطدام بين مشروع الحداثيين متمثلاً في الأصالة والمعاصرة ومشروع الإسلاميين متمثلاً في العدالة والتنمية.

والسيناريو الثاني أمام حزب الأصالة والمعاصرة هو إفراغه من الأعيان فقد يتوجه هؤلاء إلى أحزاب أخرى، خصوصاً حزب التجمع الوطني للأحرار. لكن السيناريو الثالث الذي بات يروج بقوة هو اندماج هذا الحزب مع حزب التجمع الوطني للأحرار، بالنظر للأدوار الرئيسية والحاسمة التي بات يلعبها داخل المشهد السياسي بالبلاد.

وشكل حزب الأحرار، بقيادة رئيسه المقرب من صناع القرار في البلاد، عزيز أخنوش، عقبة كأداء أمام رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، وتمكن من إزاحته وتحقيق شروطه في المشاركة في الحكومة، وأولها دخول حزب الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة، ما يفيد بإمكانية تأدية أخنوش الأدوار التي كانت ممنوحة للعماري قبل إعلان استقالته.