الأزمة الخليجية.. الرياضة "سياسة مكثفة"

14 نوفمبر 2019
الصورة
يُعرّف علماء السياسة الحرب بأنها "سياسة مكثفة"، وهو ما ينطبق على الرياضة عربيا، فهي تكشف الأزمات العميقة، سواء داخل الدولة أو في علاقاتها الخارجية، بقدر ما تسهم في تصعيدها أو حلها. وبدا هذا أوضح ما يكون في الأزمة الخليجية التي دخلت عامها الثالث، وكانت الرياضة أول ضحاياها، سواء في العدوان على اللاعبين القطريين في الإمارات أو قرصنة قنوات "بي أن سبورت" ومقاطعة فعاليات رياضية في الدوحة، وصولا إلى التآمر على حق قطر في استضافة كأس العالم. 
ولذا جاء خبر مشاركة السعودية والإمارات في البطولة الخليجية في الدوحة "سياسةً مكثفة"، أعقبتها تسريباتٌ على منصات التواصل الاجتماعي عن انفراج وشيك في الأزمة. وبمعزل عن دقة ما يسرّب، فهو يعكس رغبة في تهيئة الأجواء للانفراجة، أو سعي أطرافٍ إلى التخريب على الجهود المبذولة. المؤكد أن قرار المشاركة الرياضية سياسي، تماما كما أن قرارات المقاطعة كانت سياسية أيضا.
رسم خطاب أمير قطر في مجلس الشورى آفاق حل الأزمة، إن تم، فالدوحة تجاوزت الأزمة والأسوأ صار خلفها، وهي في موقع خيار لا اضطرار من الحل "ومنذ بدء الأزمة، أعربنا عن استعدادنا للحوار لحل الخلافات بين دول مجلس التعاون، وفي إطار ميثاقه على أسس أربعة: الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم الإملاء في السياسة الخارجية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".هذه أسس أي حل مستقبلي للأزمة، وأي حل يتجاوزها، كما حصل في اتفاق الرياض (2014)، فهو ترحيل للمشكلات، وليس حلا لها. فلا يمكن أن تتطابق السياسة الخارجية للدول، إلا في منطق الإملاء. ومن طبيعة الدول أن تختلف، وتدير خلافاتها بشكل حضاري. وفي تاريخ العلاقات الخليجية، لم يكن ثمّة في أي يوم إجماع على سياسة خارجية. وهذا لا يمنع وجود مواقف موحدة من قضايا كبرى، فالاتفاق على دعم القضية الفلسطينية لا يمنع الاختلاف بشأن الملف الليبي.
وفي الأسبوع الماضي، قدمت إجابة عملية على إمكانية الفصل بين الخلاف السياسي ومصالح شعوب المنطقة، إذ أعلن عن تشغيل مصفاة الشركة المصرية للتكرير في مسطرد شمال القاهرة. وتمتلك "قطر للبترول" 38% من أسهم المشروع الذي زادت كلفته على أربعة مليارات دولار، وكان قد بدأ في 2012، ولم يتأثر بالعواصف السياسية بين البلدين. وللتذكير، كان الدعم المالي الذي قدمته قطر للدولة المصرية في أثناء حكم المجلس العسكري.
أي حل للأزمة الخليجية لا يغير التاريخ، لكنه يغير المستقبل. ما حصل بكل مرارته للاعتبار وبناء علاقات سوية، وليس لمراكمة الأحقاد والضغائن وتبييت الثارات. حصل عدوانٌ غادر على قطر، استهدفها وجودا وكيانا، وتمكّنت من تجاوز العدوان وآثاره بلا عقد ولا ضغينة. ومن موقع اقتدار واختيار، لا إذعان واضطرار، تستطيع فتح صفحة جديدة، وما حصل هو رصيد يبنى عليه.
من مصلحة العالم العربي إنهاء الأزمة التي أرهقت المنطقة، وليس مهماً مَن بادر بالمصالحة "فخيركم الذي يبدأ بالسلام". ولكن الحل سيكون إعادة إنتاج للأزمة، إن بني على أسس اتفاق الرياض، وغيره من هدن لم تعمر طويلا. وأي حلٍّ لا يلغي فصلا مريرا في تاريخ العلاقات العربية، أخرج أسوأ ما في المنطقة من فجورٍ في الخصومة. بقدر ما أظهر أفضل ما فيها شجاعة وصبرا واتزانا.
من مصلحة السعودية أخذ مسافة عن السياسة الإماراتية المتهوّرة، والتي لا يزال يصر بذيئها حمد المزروعي على التغريد حتى الأمس بسافل القول، تحسّبا لأي حل. وفي الشهور الأخيرة، بدت مبتعدة عنها، واعتمدت سياسة حل المشكلات بدلا من صناعتها. وتجلى ذلك في اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الجنوبي. ومشكلات السعودية الكبرى ليست مع قطر، وإنما مع النقيضين، إيران وأميركا. فلم تضع قضية جمال خاشقجي أوزارها، حتى ظهرت قضية اختراق "تويتر" التي أعقبها زيارة مديرة المخابرات المركزية الأميركية (السي أي أيه)، جينا هاسبل، الرياض، من دون أن تقابل فيها ولي العهد السعودي.
في ظل البطولة الخليجية المرتقبة، يؤمل أن تريّض السياسة لا أن تسيًس الرياضة، فالفرق مختلفة بالضرورة، لكنها تتحلى بالروح الرياضية وتحترم قواعد اللعبة.