الأرنب البري الأبيض ذو النقاط السوداء

02 اغسطس 2019
الصورة
عبد الواحد عبد المحسن/ مصر
+ الخط -

اليوم اشتريت الجرو الذي أريده من سوق الغزل، جروٌ أبيض منقط، بوزه طويل بعينين سوداوين لامعتين تشيان بالكثير من البراءة، جرو بكامل براءته ورشاقته ووداعته سأسمّيه حسام.

لون الكلب الذي أتمنى مرافقته هو الأبيض. لا أتصوّر أني أرافق كلباً بنياً أو داكن اللون. حتى أني أكره الكلاب التي لديها شعر طويل. أكثر الكلاب التي تعجبني هي كلاب الصيد السلوقية الرشيقة النحيفة الخصر الطويلة القوائم والأنوف. إذا قررت أن أربّي كلباً سأختار واحداً منها، لا يشترط أن يكون أبيضاً بالكامل، إذا كان منقطاً سيكون ذلك مناسباً جداً.

أما الاسم، فمنذ زمن طويل أفكر في أن أسمي الكلب الذي سأرافقه كازانتزاكي، أعرف أني سأواجه مشكلة صغيرة وهي طول الاسم، بالنسبة إلي لا يهم ولكن بالنسبة إليهم، الآخرين الذين سينادونه، سيجدون من الابتذال أن يتضمن الاسم كل هذه السينات مع حرف الكاف. هل في هذا إيحاء جنسي؟ أو على الأقل الطريقة التي سينظرون بها لكلب يحمل اسماً طويلاً مثل هذا. لذا فكرت أن أختار الاسم الأول له وأسميه نيكوس. هكذا سيكون سهلاً عليَّ وعليه وحتى عليهم. حينما أناديه سيسمعني بوضوح. لكننا سنبقى أيضاً في نفس المدار الإيحائي. ففكرت بأن الاسم لن يكون عائقاً أمام فكرة مرافقة كلب.

سأسميه لاحقاً باسمٍ سهل وقصير. هكذا تكوّنَت الفكرة.

أسميه حسام! لكن لماذا حسام؟ ألم يكن الاختيار نيكوس؟ نعم هذا كان اختياري الأساسي لكني بعد تفكير طويل قبل أن أشتريه بدا لي بأن إطلاق الاسم الأول لكازانتزاكي سيجلب الفأل السيء للقصائد التي سأكتبها وربما لن تقرأها النساء مثلما أحبّ أن يقرأنها حين يغفين ويسقط الكتاب على صدورهن أو يغطي وجوههن فيما يغزو النعاس الشرشف الأبيض المجعد الذي يدثر الساقين.

أعرف أني شاعر مخيب للآمال، القصائد التي أكتبها لا تداوي الخائبين أصلاً في الوقت الذي يفترض بالشعراء أن يكونوا أطباء الخائبين. حتى أن قصائدي لا تداوي الكلاب أنفسها. إضافة إلى أنني أخشى على قصائد كازانتزاكي من التمرّغ بالتراب حين أطلق الكلب وراء طريدة ما. لكن حسام كذلك يبدو اسماً جيداً. ولا بأس أن يتمرّغ بالتراب فهو اسم صُمِّمَ ليتمرّغ بالتراب والدم. أداةٌ للقتل. اسم يسمون به أبناءهم (جماعة) القرى أو البلدات التي شكلتها تلك القرى، من باب أسماء غلماننا لنا وأسماء أبنائنا لأعدائنا. إضافة الى أن للاسم دلالات عديدة من بينها تلك التي تحيل من يسمعه إلى أن بيني وبين الكلب علاقة حميمة كأني سميته تيمناً بأحد أصدقائي. على الرغم من أني لم أطلق هذا الاسم تيمناً بأحد، لكني بالفعل كان لي صديق اسمه حسام. وقد حاول قتلي عدة مرات. كلا... مرتين.

مرة حين صدم السيارة بشجرة وأنا جالس بقربه، ومرّة حين باغتني في الحلم يحمل سكيناً تشبه تلك السكاكين التي يحملها الصيادون معهم دائماً. تلك السكاكين المقوّسة التي تطوى وتحمل في الجيب وبين القبضة وللنصل حلقة معدنية. منقوش بنفس المعدن الأبيض اللامع على القبضة الخشبية هلال وثلاث نجمات مرصوفة إحداها تلي الأخرى. لكني نجوت أيضاً. أفقت من نومي وأنا أرتعش وأتصبب عرقاً لماذا قد يحاول حسام قتلي يا تُرى! لا تربطني به سوى علاقة أعتبرها طبيعية. لكنه مجرد كابوس. نعم قلت لنفسي: مجرد كابوس! حاولت العودة إلى النوم لكني نهضت وتناولت علبة السكائر. تساءلت؛ هل يعقل أن يكون حادث الشجرة مقصوداً به أن يقتلني؟ لكنه جرح رأسه جرحاً عميقاً بينما لم يصبني سوى خدش في صدري بسبب حطام الزجاج، صحيح أن أثره لا يزول لكنه لم يكن عميقاً كفاية. نظرت إليه وقتها وقلت له الحكمة تقول: لا تصدم شجرة. لأنها ستبقى واقفة وتجرح أنت. نظر إليّ بعين واحدة والدم ينسرب من بين أصابع يده التي تغطي العين الاخرى والجرح في رأسه، لم يقل كلمة.

وضعته في صندوق كرتوني مطبوع عليه صورة موز. لمحت عينه من ثقب التهوية، يكاد يتكلم. أردت أن أناديه باسمه لكني تراجعت حين أوشكت أن ألفظ اسم نيكوس. لا يزال الوقت مبكراً للحديث إلى الكلب الذي لن أصطاد به أرنباً برياً واحداً. هنا يمكن أن أقول بأن الأرانب البرية سيئة الحظ حين يصطادها كلب أبيض منقط بالأسود واسمه حسام. الأرانب البرية طويلة الأذنين، لامعة العينين، بفرو أملح يميل إلى البني شبيه بلون الأرض السبخة؛ كائنات جميلة، حذرة، سريعة وذكية، يمكنها أن تقرأ لدوكينز كما يمكنها أن تقرأ لديكنز وتفهم الفرق بين اسميهما وبين ما يكتبان أيضاً. بل إنها ستستمتع بهما على حد سواء.

لكنها في النهاية تقع فريسة لكلاب الصيد طويلة القوائم والأنوف. خطم الكلب السلوقي يزيد في تناسق شكله الكلي وكلما زاد مستوى دربَته على الركض ولياقته كلما كان أكثر حظاً في الوقوع على طرائده الجميلة. في الواقع أنا أفكر في مشاكسة الناس حين اسمي كلباً باسم أحد أبناء العوائل التي تعتقد أن اسماء الأدوات الحادة الجارحة وخاصة أدوات القتل او القتال تزيد من شخصيات أبنائها قوة. بل إني أريدهم فعلاً أن ينزعجوا.

ربما انتَبَهَتْ إلى ذلك إحداهن حين سمعتني وأنا أناديه باسمه البديل لينزل من السيارة بعد أربعة أشهر من التربية المتعبة: حسام ...انزل.

حرّكَ أذنيه وقفز من السيارة وتمطى مادّاً قائمتيه الأماميتين رافعاً مؤخرته، تثاءب مُخرِجاً لسانه الطويل، نظر إليّ بعد أن لحس أنفه رافعاً رأسه وذيله يُهَفْهِفُ يُمنةً ويسرى. فيما أرسَلَت هي إليّ نظرة احتجاج فسّرتها بأنها اعتقدت أني أُساوي الكلب بشخص اسمه حسام تعرفه هي.

حسناً... كنت أحاول أن أساويه بحسام ولكن هل يشترط أن يصادف أنها تعرفه. نفس الحسام الذي أعنيه؟ حاولت أن أبادر بالحديث إليها بأن الكلب الذي بجانبي لا يعني سوى كلبٍ صديق تعجبني صحبته وليس له أية صلة بحسام الذي انزعجت من مقارنتها به إن وُجِد. لكني أعرف أنها لن تصدق، لذلك قلت لها بأن هذا الكلب اسمه مركب وليس عليّ أن أسميه حسام. بعد تردد منها وهي تتباطأ توقفت ملتفتة إليَّ وسألتني: ما اسمه أيضاً؟

أخبرتها أن اسمه مركّب ولن تستطيع لفظه. قالت: - جرّبني. اسمه حسام الدين. أليس كذلك؟
- ألم أقل لك؟ لن تستطيعي التخمين: اسمه نيكوس كازانتزاكي، أجبتها.
هَزّت يدها وهي تبعد نظرةَ استغراب واستهجان. هل تعتقد أنّي بهذه السذاجة؟
كنت بدأت أستمتع بأني استدرجتها إلى حديث يمكن أن يطول.
- هل تعرفين كازانتزاكي؟
- أعرف أنك تتمنطق. قالت ثم هربت.

بعد خمسة أشهر أخرى... كبُر حسام وأصبح أكثر مزاجية وتطلباً وخبرة في نبش الأشياء حتى أنه بدأ في التدخل في خططي التي أضعها لسنة قادمة. وفي واحدة من السوابق وجدته في أحد الأيام يُخفي كتاب اللسانيات الاجتماعية الذي اشتريته ونسيت أن أتصفحه. حين سألته لماذا يفعل ذلك، نظر إليّ وهو يطأطئ رأسه فيما استدار واتخذ من الزاوية التي في غرفة الجلوس مكاناً جديداً له وهو يمدّ ذراعيه ويضع وجهه عليهما وأذناه تغطيان نصف عينيه كأنه يفكر في جواب فيما يسترق نظرة سريعة يتفحصني ويعود.

في صباح آخر، وفيما أنا أدندن أثناء غسل أسناني، بالأصل كانت غمغمة أكثر منها غناء. كانت الأغنية ينقصها الكثير من الكلام الذي نسيته لذا استرسلت فيها باستبدال كلماتٍ بأخرى تتناسب مع اللحن لكيلا أضيِّع الإيقاع. نظرتُ في المرآة وكان يظهر فيها وجه حسام، طويلاً، أطول من المعتاد بقليل، برأسٍ مائلٍ وعينين سوداوين، اتسعتا كثيراً عن أول مرةٍ حينما وضعته في صندوق الموز الكرتوني، يحدق فيَّ من بعيد. أظنه يعترض على كلمات الاغنية التي لا أحفظ منها سوى القليل مما تسعفني به ذاكرتي. أتذكر أني ضمَّنتُ اسمه في أحد مقاطعها وكرّرته أكثر من مرّة، ربما هذا كان سبب تحديقه فيّ اعتراضاً على حشْرِ اسمه في الأغنية التي لم تعجبه. أظنها كانت لعُليّة التونسية. نعم إنها لها. تحديداً "حمّودة" ها أنا بدأت أتذكر جيداً. عندها التفتُّ إليه، صرخت به: نيكوس! أخرج الى الحديقة.

قال بصوتٍ منخفض بالكاد سمعتُه: أنت تسكن في شقة يا صديقي ولا تمتلك أية حدائق.
استيقظتُ من النوم لأجده يحدق في وجهي ولسانه متدلٍ يلهث بسرعة. قال لي: افتح لي الباب بسرعة رجاءً. يجب أن ألتقط الأرنب الموشك على الهرب.

مشكلتي الوحيدة مع حسام هي أنه أسرع مني. فتحت له الباب. خرج مسرعاً وقوائمه تنزلق على الأرضية الملساء.

لم يعد منذ ذلك الحين. بحثت عنه كثيراً ولكن من دون جدوى. لذلك، وفي يوم ما، قررت أن اشتري كلباً آخر.

أثناء تجوالي في سوق الغزل وجدت أرانب برية كثيرة معروضة للبيع، جميع تلك الأرانب كانت ألوانها بيضاء منقطة بالأسود!


* كاتب عراقي

المساهمون