الأرشمندريت عطالله لـ"العربي الجديد": ننتفض لأجل عروبة الكنيسة

محمد الفضيلات
25 ديسمبر 2014
يبشّر الأرشمندريت العربي خريستوفوروس (حنا عطالله)، الذي صدر قرار من المجمع المقدس التابع لبطريركية الروم الأرثوذكس بطرده من الكنيسة وفصله من أخويه "القبر المقدس"، بانتفاضة عربية في وجه السيطرة اليونانية على رئاسة الكنيسة. وبرر الانتفاضة بـ"الحفاظ على الهوية الوطنية المحلية للكنيسة، التي تعمل القيادة اليونانية على طمسها، من خلال إقصاء رجال الدين العرب، ومخالفة القوانين الكنسية، وتسريب أراضي الوقف الكنسي للإسرائيليين". وينتقد الأرشمندريت عطالله مواقف الحكومات العربية في الدفاع عن القضية الأرثوذكسية، التي يصفها بـ"الخجولة"، مقارنة بالموقف الإسرائيلي الضاغط على البطريركية بما يحقق أهدافها الخاصة.


* قرر المجمع المقدس طردك من كنيستك وفصلك من أخوية "القبر المقدس"، كيف استقبلت القرار؟

القرار كان متوقعاً، ويأتي في إطار سلسلة من القرارات التي اتخذها المجمع بهدف إسكات الصوت العربي الكنسي، المطالب بإصلاح الكنيسة، والحفاظ على هويتها الوطنية والمحلية، بما يعزز دورها في الدفاع عن الحضارة العربية في بعدها الإسلامي والمسيحي.

* تحدثت عن مطالبات بإصلاح الكنسية، هل لك أن تضعنا بصورة تلك المطالبات؟

مطالبنا الإصلاحية، التي يشاركني فيها غيري من الإخوة العرب في الاكليروس، تتمثّل بألا تفقد كنيستنا مكانتها ككنيسة وطنية محلية، وألا تكون ضحية أجندات خارجية وسياسية، وأن تتحمّل مسؤولياتها الوطنية، وأن تساهم في تجذير الوجود المسيحي في بلادنا، وأن يتم تطبيق القانون الكنسي بشكل ينصف رجال الدين العرب، وألا تستمر الهيمنة اليونانية، وأن تحمي الكنيسة الأوقاف الكنسية من تسريبها إلى الصهاينة.

* هل تعتقد أن السيطرة اليونانية على رئاسة الكنيسة تعيق عملية الإصلاح وتهدد الهوية العربية للكنيسة؟

الرئاسة اليونانية يهمها وجودها وسيطرتها على الكنيسة، وهي تقاوم أي إصلاح تعتقد أنه يهدد تلك السيطرة، وبالتالي فهي تستخدم سياسة فَرِّقْ تَسُدْ، وتحاول ضرب أبناء الرعية بعضهم ببعض، كما تسعى إلى شخصنة القضية.
مع العلم أن القضية ليست شخصية بل وطنية وكنسية، يجب عدم شخصنتها، ويجب أن نتحد جميعاً من أجل الدفاع عنها. وهنا يجب أن يدرك الجميع أن كنيستنا هي الكنيسة الوطنية الوحيدة في المنطقة. إن الكنيسة الأرثوذكسية هي صاحبة الأرض، وبالتالي فإن ضربها وإفقادها هويتها العربية وإفقاد أبنائها هويتهم العربية، سيُسهّل مخططات تهجير المسيحيين عن الشرق.

* ما هي مساحة الأوقاف الكنسية التي سُربّت للإسرائيليين، ومَن يتحمل مسؤولية تسريبها؟

ملف الأوقاف الكنسية، ملف شائك، لست على دراية تفصيلية فيه، لكن أستطيع القول إن مساحات شاسعة من أملاك الكنيسة تم التفريط فيها وتسريبها إلى الإسرائيليين. خُمس فلسطين التاريخية، كانت ملكاً لبطريركية الروم الأرثوذكس، واليوم ما تبقى من تلك الأملاك قد لا يتجاوز 70 في المئة منها. وتُقام على الأراضي المسرّبة معالم صهيونية، كالمستوطنات ومقرّ الكنيست والحكومة. ويتحمّل كل ذلك المجمع المقدس، من خلال عدم إدارة هذا الملف الوطني بشكل سليم.

* هل بيعت كل تلك الأوقاف الكنسية، ويستحيل استرجاعها؟

جزء منها تم بيعه في ظروف غامضة، وجزء تم تأجيره لمدة طويلة، تأجير يقترب من التنازل، ويتضح التفريط في ملف تأجير الأوقاف بشكل واضح عندما نرى أوقافاً تم تأجيرها، وكان مقرراً أن ينتهي عقد الايجار في العام 2052، ويصار إلى تجديد الإيجار حتى قبل انتهاء العقد السابق، بواقع مئة عام جديدة لينتهي في 2152.

* ما انعكاسات تسريب الأوقاف على صورة الكنيسة؟

للملف انعكاسات خطيرة على الوحدة الوطنية، عندما نبدأ بتخوين بعضنا، مسلمين ومسيحيين، ونتبادل تهم التفريط في هذا الملف، لننتقل بذلك من العمل على استعادة حقوقنا إلى التناحر في ما بيننا.

* إضافة إلى ملف الأوقاف وانعكاساته عليكم، يوجد مَن يطالب بتجنيد المسيحيين بالجيش الإسرائيلي، ما قولك في ذلك؟

مجرد المطالبات بذلك يُشكّل كارثة، فكيف لو حدث؟ كيف يُمكننا، نحن أبناء الكنيسة، وهي كنيسة عربية وطنية، أن نقول لأبنائنا: كونوا في جيش الاحتلال؟ هذه كارثة في سياق التآمر على قضيتنا وعروبتنا، وهي المؤامرة التي جنّدت أصواتاً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، للترويج أن المسيحيين ليسوا عرباً، وأنهم آراميون، لضرب عروبتنا.

* هل تعتقد أن رئاسة الكنيسة اليونانية متواطئة مع الحكومة الإسرائيلية على حقوق الرعية الأرثوذكسية؟

لا أستطيع أن أقول إن هناك تواطؤاً، لكن الخطير في الأمر، هو أن الرئاسة اليونانية للكنيسة، وفي سبيل محافظتها على وجودها، تُضحّي بالكثير على مذبح إبقاء الكنيسة يونانية. للرئاسة مخاوفها من فقدان السيطرة، وحتى يبقى وجودها وهيمنتها، تضحي بالقوانين الكنسية وتخالفها، وتضحي بالمجمع المقدس وتسيطر عليه، وتضحي الرئاسة بالمؤسسة البطريركية. وهي بذلك تضحي بقضايانا الوطنية وتفرّط بالأوقاف والحقوق إرضاءً للسلطات الإسرائيلية.

* يتطلّب اعتماد البطريرك اليوناني مصادقة السلطة الوطنية الفلسطينية والأردن وإسرائيل، كيف تنظر للموقف العربي في الدفاع عن قضيتكم؟

مواقف حكوماتنا العربية خجولة في هذه القضية، لا بل تقف أحياناً في صف الهيمنة اليونانية على الكنيسة. ونريد هنا من حكوماتنا، في حال لم يكن لها دور في حمايتنا والدفاع عنّا لأسبابها الخاصة، ألا تُستخدم لتكون السيف الذي نُضرب فيه، وأن تعطينا الفرصة لنقوم بواجباتنا كما يجب ونُبقي القضية حية. نحن متمسكون بالحماية الهاشمية للأماكن المقدسة، لأنها الخيط الوحيد القانوني الباقي لنا كعرب، لكننا نريد لهذا الخيط دوراً مهماً في القضية الكنسية، ونريد من الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية عدم طرح القضية بخجل، والوقوف إلى جانب الرعية، لأن مطالبنا لا تحرج أحداً، بل على العكس تساعد على ضمان الوجود العربي.

* كيف هو الموقف العربي مقارنة بالإسرائيلي؟

نستطيع قياس الفرق بالمواقف، بالتالي: السلطات الإسرائيلية عندما يُمسّ أحد المحسوبين عليها، تقوم مصادر عليا في الدولة الإسرائيلية بالاتصال بالبطريركية، وتقول "نزل أيدك عن زلمتنا ولا بنقصلّك إياها (اسحب يدك عن المحسوب علينا أو نقطعها)"، بالتالي يوجهون رسالة أنهم يحمون رجالاتهم، لكن نحن مَن يحمينا؟

* هل ما تعيشه الكنيسة اليوم انتفاضة عربية؟

يجب أن تكون كذلك، ويجب أن نستخدم كل الوسائل القانونية والكنسية المتاحة حتى نستعيد حقوقنا. تصوّروا، إنسان غريب يأخذ كنيستك ويُصبح رئيساً عليك، ويحاول إسكاتك، وعندما لا تسكت، يقوم بنفيك. فعلاً نحن أمام مفارقة لا سابقة لها. وهذه ليست المرة الأولى التي يتم الانتفاض على اليونانيين، منذ أن سرقوا الكنيسة بمساعدة الدولة العثمانية. إذ بدأت أصوات النهضة المطالبة بإصلاح الكنيسة واستعادتها اعتباراً من العام 1845، وأُطّرت تلك المطالب في المؤتمر الأول عام 1925، ثم في مؤتمرات لاحقة وصل عددها إلى أربعة مؤتمرات، وكان آخرها في عام 1992. وكلها مؤتمرات حملت مطالبات مكررة، غير أن أحداً لم يستمع إلينا. لكنني أشعر أن الانتفاضة، أو التحرك الشعبي الحالي، سوف يؤتي نتائجه، وأنا متفائل على الرغم أننا كعرب لا نتفاءل بثوراتنا وانتفاضاتنا.

* هل يمكن أن يزرع تحرككم بذور انشقاق في الكنيسة؟

نحن حريصون كل الحرص على أن لا يحدث ذلك، ونرد على مَن يتهمنا أو سيتهمنا بالانشقاق، ونؤكد أن مَن يطالب بالحق لا يبذر بذور انشقاق، على العكس يبذرها. ومَن يريد أن يمحي ويطمس هويتنا ووجودنا الحضاري ويغتصب أرضنا وكنيستنا، هو صاحب الفتنة والانشقاق. أنا الكنيسة. أنا الوطن. أنا الوجود. أنا الكيان. أنا الحضارة. أنا كل شيء. بالتالي الانشقاق والفتنة لا أزرعها، بل الغريب مَن يزرعها.

* هل تسعون اليوم إلى تعريب الكنيسة وطرد الرئاسة اليونانية؟ 

لا نريد طرد اليونانيين، ولكن نريد المشاركة. يجب أن يكون لنا دور في إدارة شؤون كنيستنا، ويكون لنا دور فيها، حتى نستطيع حماية الأوقاف والمؤسسة الكنسية. نحن أصحاب الأصوات المعتدلة، ونعرف الواقع في فلسطين في ظل الاحتلال وآثار ذلك الاحتلال علينا. لذلك في هذه المرحلة لا نطالب بالتعريب المنشود، لكننا نطالب بدورها الحقيقي.

* هل يبقى تعريب رئاسة الكنيسة هدفاً مستقبلياً لديكم؟

أكيد، فالرئاسة رئاسة غربية تستعمر كنيسة عربية.

* بعد طردك من الكنيسة، ما هو توجهك، هل ستبحث عن كنيسة أخرى، هل ستهاجر؟

أنا في الكنيسة منذ أن كان عمري 9 سنوات، كل أحلامي وكل شيء داخل الكنيسة وداخل بلادي. أحب كنيستي وبلادي، وكانت تفتح لي الأبواب من كنائس أخرى، وأُصرّ على البقاء. سأبقى في كنسيتي ولن أخرج منها، سأبقى حتى آخر رمق.

تعليق:

ذات صلة

الصورة
قطر 1/مجتمع (العربي الجديد)

أخبار

انطلقت "الروزنا"، وهي مجموعة شبابية، من العاصمة القطرية الدوحة. ووُجدت لكسر الحدود بين الفلسطينيين أينما حلّوا
الصورة
الجولان المحتل/Getty

سياسة

حملت تصريحات بنيامين نتنياهو، تعليقاً على مقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، تهديداً مبطناً لإيران، في ظل رفع حالة الاستنفار في فلسطين والجولان المحتلين.
الصورة
فلسطين-سياسة-Getty

أخبار

توالت، اليوم الثلاثاء، ردود الأفعال الرافضة لإعلان الإدارة الأميركية الاعتراف رسميّاً بشرعية المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والتي تُعتبر بموجب القانون الدولي مستوطنات "غير شرعية".
الصورة
سياسة/مسيرات العودة/(علي جادالله/الأناضول)

أخبار

استشهدت فلسطينية برصاص الاحتلال الإسرائيلي شرق مدينة غزة، وأصيب العشرات بالاختناق والرصاص الحيّ، اليوم الجمعة، خلال مشاركتهم في فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار في أسبوعها الثاني والأربعين، في مخيمات العودة الخمسة على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع الأراضي المحتلة.