الأتراك قادمون

17 اغسطس 2016
الصورة

تعمل تركيا على توسيع نفوذها في المشرق العربي (Getty)

أول انطباع للزائر العربي إلى تركيا: "متخلفون، لا يفهمون الإنكليزية". وهذا بالضبط مفتاح تركيا. فهل رأيت الأميركان فطاحل في الفرنسية مثلاً؟
والانطباع الثاني: "هم فعلاً مسلمون، وليسوا علمانيين كألمانيا مثلاً". وهذا الانطباع كان انطباعي الشخصي قبل نحو خمس وثلاثين سنة، عندما كنت أستمع إلى نشرة أخبار. ذكر المذيع أن عدد الحجاج الأتراك بلغ كذا وكذا. نسيت الرقم، لكنني فوجئت بتركيا التي لم أعرفها إلا علمانيةً جداً. وفهمت شيئاً.
تركيا ابنة إمبراطورية بائدة، وتركيا اليوم إمبراطوريةٌ صاعدة. لها لغتها ولها دينها، وفيها من الإقدام الفاتك ما يطبع الإمبراطوريات الصاعدة. بهذا، نفهم إصرار تركيا "المستغرب" على التمسك بنفي مذابح الأرمن على يد العثمانيين الذين زالوا قبل مئة سنة، وزال إرثهم بإغلاق كتبهم ووثائقهم إغلاقاً محكماً بتغيير الحرف. تركيا الحاضرة توحشّت على أكرادها وعربها توحش الدولة القومية.. توحش التتريك الذي أسسه أبو الأتراك. ومع أربكان فأردوغان، بدأ تحول يومئ مجرد إيماءٍ إلى أنه انعطاف نحو الإمبراطورية.
كانت روسيا السوفييتية إمبراطورية، وظن غورباتشوف ويلتسين أنها تقلصت إلى دولة قومية، وانتهى الأمر. ومضت سنواتٌ عشرون من التيه. كان الروس قد تعوّدوا في سنوات القياصرة وسنوات الحكم الستاليني على المستبد الأوحد. ولم يكن عسيراً عليهم قبول استبداد بوتين. فلاديمير بوتين يشكل قنطرةً بين التيه القومي وعودة الوعي الجغرافي السياسي إلى العقل الروسي. بوتين القنطرة هو المستبد الذي رأى روسيا القومية - القانعة بأرضها الواسعة والراضية بالانضمام إلى طاولة السبعة الكبار لتكون الثامنة الخجول - تشهد وصول حلف الناتو إلى إستونيا (على بعد 150 كيلومتراً من بطرسبرغ، بعد أن كان "الناتو" بعيداً بأكثر من 1700 كيلومتر). كان الغرب الروسي دائماً الخاصرة الطرية لروسيا، ومن غربها أتاها غازياً كارل السويدي ونابليون وفلهلم الأول وهتلر. تيقظت روسيا الآن لمصالحها الاستراتيجية. وبعد القنطرة، لن يكون الحاكم المقبل في موسكو إلا استمراراً، وستكون أوكرانيا كلها منطقة نفوذ روسية، وليست دول البلطيق الثلاث بعيدةً عن مثل هذا المصير. وبولندا الآن ترتجف، والتخلي الأميركي عن بولندا ليس مستحيلاً، ولكنه مستبعدٌ جداً.
ولروسيا مطمع آخر عتيق: المياه الدافئة. فأفسح بلد في الدنيا لا يصل إلى المياه الزرقاء إلا
بشق الأنفس. فالطريق البحري عبر المحيط المتجمد الشمالي غير سالك إلا أشهراً في السنة، والطريق إلى المتوسط دونه البوسفور ومرمرة، والوصول إلى المتوسط ليس كافياً لأساطيل حربية أو تجارية تريد جوب الدنيا، فدون ذلك قناة السويس فباب المندب وجبل طارق. والطريق عبر البلطيق يحرسه الحزام الضيق عند الدنمارك، وليس لروسيا على البلطيق موانئ جديرة. ودون الوصول إلى الهادئ صحارى من جليد سيبيريا لا توفر التموين الملائم.
روسيا بحاجة إلى تركيا، لضمان بعض الدفء البحري، والتقاسم الإقليمي. وتركيا بحاجةٍ إلى روسيا، لكي تدوبل على الولايات المتحدة. فحلف الأطلسي (الناتو) ليس الضمان المطلق لتركيا، خصوصاً إذا طمحت إلى حفظ مجالها الحيوي. وهي طامحة. واقتسام المجال الحيوي يكون مع روسيا لا مع أميركا.
يمثل أردوغان قنطرة بين فترة الانكماش القومي والإدراك الجديد بأن على تركيا أن ترعى مجالاً حيوياً يوفر لها المواد الخام، والسطوة الإقليمية، والسوق. وبعد أردوغان سيظل الحكم في تركيا حريصاً على إتمام تكوين المجال الحيوي.
واصطراع تركيا وروسيا على سورية مصلحي بالطبع. فتركيا، منذ زمن بعيد، غير راضية عن توجه دمشق الإيراني، ولا عن الحزام الشيعي الذي انتطق به الشرق العربي بمساعٍ إيرانية مستميتة.
ولعل الصراع التركي الروسي يؤول إلى حلفٍ يضمن لتركيا الهيمنة في سورية وفي دولة الموصل ودولة الأنبار وكردستان العراق، مع التخلي عن المطامح القفقاسية في جورجيا وأذربيجان لروسيا، وعن مطامح أكبر في كازخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان.
والتوجه الإيديولوجي السني سيسهل على أنقرة ضم بقية دول المشرق العربي إلى مناطق نفوذها. وستحرص تركيا على ميناء أم قصر، وربما وربة وبوبيان أيضاً، إذا كان الحزام الشيعي المتقلص سيضم البصرة وجنوب العراق.
هذه الأمنيات الإقليمية لروسيا وتركيا ستظل محدودةً في الإقليم، ولن تؤثر كثيراً على الهيمنة العالمية لأميركا التي ستكون سعيدةً بالتفرّج على شرق أوسطٍ جديد لها فيه قواعد كافية، أهمها بالطبع إسرائيل، ويتم فيه تقليم الاندفاع الإيراني. والمقايضة السهل تخيلها بالنسبة للولايات المتحدة أن تحكم السيطرة على أفغانستان وباكستان، وتستمر في حلف مصالح مع الهند، يحمي الجانبين من التمدد الصيني.
نصف العالم العربي مقبل على الدخول تحت العباءة التركية، وعندما سيعود "الإخوان
المسلمون" إلى حكم مصر، بثوبٍ علماني قشيب، بعد أن يتعلموا دروساً لم يفهمها المرشدان مهدي عاكف ومحمد بديع أدنى فهم، ستكون مصر تحت العباءة، و"الإخوان" المصريون يتلقون في إسطنبول اليوم دروساً مهمة.
إن أية تنبؤات جغرافية سياسية هي بالطبع محض تنبؤات. لكنها تستند إلى بعض الثوابت: منها أن المشرق العربي هشّ وفارغ من جوفه (إن كنت من الطبقة الوسطى فافتح ثلاجتك، وقل لي ما الذي فيها من صنع بلدك؛ وإن كنت فقيراً معدماً فاعلم أن القمح في خبزك مستورد، والرز في قدرك مستورد)؛ ومن الثوابت أن روسيا، التي يتناقص سكانها، لن تعود إلى موقع القطب الموازي لأميركا، بل ستبحث عن تحالف إقليمي. ومن بعض الثوابت أن العرب أمةٌ ماجدةٌ، وغير قابلة للذوبان، لكنني لا أرى نهضةً مستقلةً في المستقبل المنظور. وكلما رأيت الشرائح الاجتماعية القائدة في الوطن العربي تحرص على تجنيب أولادها اللغة العربية، وحثهم على تعلم الإنكليزية. قلت في نفسي: يا للسقوط. نهضة العرب، فيما تخبرني به الكرة البلورية، مؤجلة.
DAC77918-97A4-4936-AC24-2DBF27E19533
عارف حجاوي