اعتذار بلير "الناقص": دفاع يسبق نتيجة التحقيق بغزو العراق

اعتذار بلير "الناقص": دفاع يسبق نتيجة التحقيق بغزو العراق

27 أكتوبر 2015
الصورة
الاعتذار جاء تحت ضغط ما يُنشر من معلومات(فرانس برس)
+ الخط -

لم تجد كلمات الاعتذار التي نطق بها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، على شاشة "سي أن أن"، حول غزو العراق في العام 2003، إلا الكثير من التنديد والسخرية من كل جوانب المشهدين السياسي والإعلامي في بريطانيا. وقد اعتبر الكثير من المعلقين "اعتذار بلير" بمثابة حملة دعائية استباقية، ومحاولة مبكرة منه للرد على الانتقادات التي ستوجّه له في ثنايا تقرير لجنة "شيلكوت" المكلفة بالتحقيق في ملابسات قرار مشاركة بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية في غزو العراق في العام 2003.

الوزيرة السابقة كلير شورت، التي كانت وزيرة للتنمية الدولية في حكومة بلير، وعارضت قرار مشاركة بريطانيا في غزو العراق، ثم استقالت من الحكومة بسبب الحرب على العراق، شكّكت في مصداقية اعتذار بلير، ورجّحت أن تكون تصريحات بلير ضربة استباقية لما ستكشف عنه تحقيقات لجنة "شيلكوت"، لا سيما أن إجراءات التحقيقات سمحت لبلير بالاطلاع على محتويات التقرير.

أما الوزيرة الأولى في حكومة اسكتلندا، وزعيمة الحزب القومي الإسكتلندي، نيكولا سترجون، فقالت إن بلير بدأ بتمهيد الأرض لمواجهة الانتقادات المُتوقع أن توجهها له لجنة "شيلكوت" عندما تنشر تقريرها المُتوقع صدوره خلال أيام. وأضافت سترجون: "لقد بدأت حملة بلير الدعائية، لكننا بانتظار الحقيقة، وأي تأخير جديد في نشر نتائج تحقيقات لجنة شيلكوت سيكون فضيحة".

وفي البحث عن سر الاعتذار المفاجئ الذي قدمه بلير عبر شاشة أميركية، رجّح كتاب في صحف بريطانية، أن بلير الذي رفض مراراً الاعتذار عن قرار المشاركة في غزو العراق، قد وجد نفسه مُضطراً لفعل لذلك مع اقتراب صدور تقرير لجنة التحقيق، وبعد ما كشفت عنه مذكرة مُسربة من البيت الأبيض تشير إلى أن بلير عبّر عن دعم الإدارة الأميركية في أي خطوة لاجتياح العراق، قبل عام من تاريخ الاجتياح في العام 2003، بينما كان يتحدث في العلن عن مساعيه لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة.

وهو ما أكدته روز جينتل، أم الجندي غوردن (19 عاماً) الذي قُتل في العراق في العام 2004، في تصريحات نقلتها معظم الصحف البريطانية، وقالت فيها "إنها لا تصدق أن اعتذار بلير كان حقيقياً، بل جاء تحت ضغط ما يُنشر من معلومات". أما ماغي تشابمان، من حزب الخضر الإسكتلندي، فاعتبرت "أن ما قاله بلير يزيد الطين بلة، ويضيف إهانة إلى الجرح، وهو يقدّم نصف اعتذار غير كافٍ". وقالت إنه "في حال كان بلير آسفاً حقاً، فعليه أن يُسلّم نفسه للمحاكمة كمجرم حرب في لاهاي"، وهو المطلب الذي طالما نادى به عدد من عائلات الجنود البريطانيين الـ179 الذين قُتلوا في العراق.

اقرأ أيضاً: توني بلير...اعتذار بكلفة مئات آلاف الضحايا واعتراف بحجم الكارثة

ولم تقتصر الانتقادات التي وُجّهت لاعتذار بلير على الساسة، إذ إن الاعتذار "الناقص" الذي قدّمه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق واعترافه ببعض الأخطاء التي ارتكبها خلال غزو العراق وبعده، دفع صحافة اليمين واليسار والوسط إلى الإجماع على أن ما قاله طرح المزيد من الأسئلة، بدلاً من تقديم أي إجابات. ويبدو واضحاً أن بلير لم يُقنع الكثير من كتاب الرأي في الصحف البريطانية، فقد اعتبره الكاتب في صحيفة "الغارديان" ريتشارد تايلور، مجرد "حملة علاقات عامة متوقعة تستبق صدور تقرير لجنة شيلكوت، والمتوقّع أن يحمّل بلير مسؤولية القرار الخاطئ".

أما صحيفة "الديلي ميل"، فرأت أن بلير قد تلاعب في الكلمات ليقدّم "اعتذاراً من نوع ما"، في حين رفضت صحيفة "ديلي تلغراف" اعتبار ما قاله بلير اعتذاراً، بل قالت إنه عملية إعداد وتمهيد للأجواء السياسية من أجل شن هجوم للدفاع عن سُمعته التي قد تتضرر بعد صدور تقرير لجنة "شيلكوت". وهو ما وافقت عليه صحيفة "التايمز" التي قالت في صفحة الرأي إن بلير شرع في الدفاع عن نفسه مبكراً في عملية استباقية لصدور تقرير لجنة التحقيق. ولم تبتعد صحيفة "مورننغ ستار" عن ذلك، إذ لم تر في إلقاء بلير اللوم "على المعلومات المخابراتية الخاطئة" اعتذاراً، بل محاولة لإلقاء اللوم والأخطاء على وكالات الاستخبارات البريطانية. أما تريفور كافانا فكتب في صحيفة "صن" أن "بلير رفض الاعتراف بأي مسؤولية عن أكبر كارثة جيوسياسية في هذا القرن". وبذلك، هو يُؤكد أنه "أخذ هذا البلد إلى الحرب بناء على تقديرات خاطئة، عازماً على دعم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مهما كلف الأمر".

كما نبّه ساسة وإعلاميون بريطانيون، الرأي العام البريطاني للحذر من خبث بلير الذي يحاول التنصل من المسؤولية، وإلقاء الكرة في ملعب الأجهزة الأمنية، واعتبروا أن مسؤولية بلير لا ينبغي أن تقف عند حدود قرار غزو العراق، بل يجب أن تمتد إلى كل النتائج التي ترتبت على ذلك القرار الخاطئ، بما في ذلك كل الخراب الواقع في العراق، وبروز تنظيم "داعش" وأخواته من التنظيمات المتطرفة، وصولاً إلى الحرب في سورية وحتى انفجار أزمة اللاجئين التي تعاني بريطانيا وأوروبا من تداعياتها.

اقرأ أيضاً: الدايلي ميل: بلير يعتذر لأول مرة عن غزو العراق

المساهمون