استعراض قوة في أبين: بروفة لمعركة فاصلة جنوبي اليمن

13 مايو 2020
الصورة
دفع "الانتقالي" بألوية من عدن والضالع لأبين(نبيل حسن/فرانس برس)



بعد إصرار الانفصاليين المدعومين من أبوظبي جنوبي اليمن على الاستمرار بخطواتهم للاستيلاء على مؤسسات الدولة تحت مسمى "الإدارة الذاتية"، التي أعلنوها في 25 إبريل/نيسان الماضي، شهدت محافظة أبين بروفة مصغرة لمعركة قد تكون فاصلة جنوبي اليمن، عبر مواجهات بين القوات الحكومية والانفصاليين، بدت أقرب إلى استعراض قوة على تخوم مدينة زنجبار عاصمة المحافظة، علماً أن المدينة تُشكّل آخر عقبة أمام عودة الجيش الوطني والحرس الرئاسي إلى عدن، بعدما تم طردهم منها في انقلاب أغسطس/آب الماضي.
وعلى الرغم من المعركة الإعلامية الكبيرة بين طرفي اتفاق الرياض الموقّع في 5 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلا أن ما شهدته محافظة أبين منذ ليل الأحد وحتى فجر أمس الثلاثاء، لم يرقَ إلى مستوى معركة حقيقية. وأكدت مصادر عسكرية متطابقة لـ"العربي الجديد"، أن الحدث الرئيسي الذي هيمن على المشهد في أبين، كان الاستعراض وتحشيد القوة وإعادة التموضع، فيما انحصرت المعركة في اشتباكات محدودة بالمدفعية وقذائف الهاون. على الرغم من ذلك، نجحت قوات الحكومة فجر أمس الثلاثاء بالسيطرة على عدد من المعسكرات التابعة لـ"الانتقالي"، بينها معسكر حيدرة السيد، الذي يُعتبر أحد أهم معسكرات المجلس، إضافة إلى اغتنام أسلحة ومعدات وآليات عسكرية وأسر أكثر من 60 مقاتلاً من الانفصاليين، علماً أن من تتولى زمام العمليات العسكرية من قبل القوات الحكومية، هي ألوية محور عتق العسكري ومحور أبين وألوية الحماية الرئاسية. بينما أكثر من يعيق تقدّم الجيش الوطني بشكل سريع نحو زنجبار هو الكم الهائل من الألغام والعبوات الناسفة التي زرعها الانفصاليون. في المقابل، وبعد تقدّم القوات الحكومية، بدأت مليشيات "الانتقالي" أمس بنشر قواتها بشكل كثيف في عدن، إضافة إلى المدرعات الإماراتية التي تمركزت في الأحياء والنقاط والمواقع المستحدثة في العاصمة المؤقتة.

وفيما أعلن "المجلس الانتقالي الجنوبي" حالة الاستنفار القصوى وتحدث عن "حرب مفتوحة"، أكدت رواية الجيش اليمني لأحداث أبين، أنها لم تتعدَ "الاستفزازات" من قبل ما وصفها بـ"مليشيا الانتقالي" لقوات الجيش الوطني في منطقة شقرة. ولفت المتحدث الرسمي للجيش، عبده مجلي، في تصريحات نقلها موقع وزارة الدفاع، إلى أن الوحدات العسكرية الحكومية "اضطرت للرد على تلك الاستفزازات والنيران، والدخول في اشتباك مع تلك المليشيات".
وجاء بيان الجيش الوطني، بعد ساعات من تصريحات شديدة اللهجة للخارجية اليمنية، لوّحت فيها بتفجير معركة ضد "الانتقالي الجنوبي"، ودعته للتراجع عن التمرد المسلح وإلغاء خطواته المتهورة، كحل وحيد يحفظ الدماء. وفيما أكدت التزامها بتنفيذ اتفاق الرياض كونه "خارطة الطريق الآمنة"، توعدت الوزارة في سلسلة تغريدات عبر "تويتر" باللجوء إلى الخيار العسكري، باعتبار أن مسؤولية الجيش الوطني هي الدفاع عن الوطن وحماية أمنه وسلامة أراضيه والتصدي لكل تمرد مسلح وما يترتب عليه من تقويض لمؤسسات الدولة وسلطتها الشرعية.

وكان من اللافت أن التصريحات اللاذعة من الخارجية اليمنية ضد أتباع الإمارات، تأخرت وكالة "سبأ" الرسمية لنشرها حتى ما بعد ظهر أمس، كما لم تجد هذه التصريحات أي تداول في وسائل الإعلام السعودية، وسط مخاوف من استخدام الشرعية لوزير الخارجية محمد الحضرمي ككبش فداء قبل إنهاء التوتر مع "المجلس الانتقالي".

ودفعت الشرعية بكتائب عسكرية مختلفة من محافظة شبوة إلى مدينة شقرة في أبين، على رأسها الفريق صُغير بن عزيز، رئيس هيئة الأركان العامة، فيما دفع "الانتقالي الجنوبي" بألوية من عدن والضالع، فضلاً عن استدعاء القوات الجنوبية التي تقاتل الحوثيين في الحديدة إلى أبين لمواجهة خصم جديد هو الشرعية التي كانوا يقاتلون دعما لها في الساحل الغربي.

وعلى الرغم من دفع الشرعية بقيادات الصف الأول في الجيش إلى أبين، فيما تستعر المعارك شمالاً مع الحوثيين في البيضاء ومأرب، إلا أن مراقبين يتوقعون أن ما يجري هو مجرد ضغط من الحكومة اليمنية والسعودية على "الانتقالي" للعدول عن "حالة الطوارئ والإدارة الذاتية".
وقال الباحث والمحلل السياسي اليمني، ماجد المذحجي، إنه ليس هناك استعداد لدى الشرعية للدخول في معركة واستعادة عدن، بل مجرد ضغط شديد على "الانتقالي" للعودة إلى طاولة مفاوضات اتفاق الرياض. وأضاف المذحجي في تصريحات لـ"العربي الجديد": "تحشيد القوات لم يتغير منذ أشهر، وهناك تعزيزات بشرية كبيرة، ولكن ليس هناك فرص لإمكانيات الحسم العسكري لأي طرف، إذ لا الشرعية قادرة على دخول عدن عسكرياً ولا الانتقالي بمقدوره استعادة شبوة".


وعلى الرغم من عدم انصياع "الانتقالي" للدعوات السعودية بالتراجع عن خطوات إعلان الطوارئ و"الإدارة الذاتية" في الجنوب، إلا أن المذحجي استبعد وجود ضوء أخضر من الرياض للشرعية بتفجير معركة جديدة في الوقت الراهن، وخصوصاً مع الأوضاع الصحية الكارثية في عدن، أو جراء الوضع الاقتصادي الذي تعيشه الرياض ودعوتها لمؤتمر مانحين في يونيو/حزيران المقبل، يتم الإعداد له وكأنه تتويج لمشوار حرب الخمس سنوات.

في السياق، أكد مصدر حكومي يمني أن هناك إجماعاً على عدم دفن اتفاق الرياض بشكل تام، والتمسك به باعتباره الحل الأمثل للأزمة المستفحلة في مدن جنوب اليمن. وقال المصدر لـ"العربي الجديد": "خيار القوة إذا تم استخدامه بشكل رسمي، لن يتجاوز استعادة زنجبار عاصمة أبين، من دون استكمال الزحف نحو عدن". وتبعد زنجبار، عن قرية الشيخ سالم التي توغل فيها الجيش الوطني نهار الإثنين، نحو 9 كيلومترات فقط، لكن أوساطاً حكومية اتهمت الانفصاليين بتحويل المناطق السكنية فيها إلى حقول ألغام، وهي الطريقة الدفاعية التي يستخدمها الحوثيون في كبح تقدم الشرعية بجبهات مختلفة.

ويبرز وزير النقل المستقيل، صالح الجبواني، كأبرز الأصوات المسعرة للمعركة الحالية، إلى جانب وزير الداخلية أحمد الميسري، إذ كانا آخر من قاتل "الانتقالي" في أحداث أغسطس في عدن. وتوعد الجبواني، في تغريدة على "تويتر"، فجر أمس الثلاثاء، بالسيطرة على زنجبار ومن ثم بدء معركة تحرير عدن، والتي زعم أن آلاف الجنود يتجهزون لخوضها.

في المقابل، قال "المجلس الانتقالي" إن طموحاته لا تتوقف عند الدفاع عن زنجبار وعدن، بل اتخاذ وضعية الهجوم والتوغل في شقرة ومن ثم إلى شبوة التي خسرها الانفصاليون في أغسطس الماضي.
وهدد ناصر الخبّخي، وهو كبير المفاوضين في "الانتقالي" والموقّع على اتفاق الرياض من جانب المجلس، بعدم الاعتراف بالحكومة اليمنية. وقال "الشرعية شرعية شعبنا الجنوبي والأرض أرضه، وشرعية الخنادق وليس أرض اللصوص وأصحاب الفنادق"، في إشارة إلى حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي المتواجدة في الرياض منذ 2015. وأضاف القيادي الانفصالي متوعدا الشرعية "اجتثاث الإرهاب والفساد واجب، واستعادة الوطن هدف... القادم سيكون مؤلماً لهم".

من جهته، أعلن طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، والذي يقود آلاف المقاتلين المدعومين إماراتياً في مدينة المخا غرب البلاد، رفضه، بشكل ضمني، للنوايا الحكومية بشن حرب ضد "المجلس الانتقالي" أو استعادة عدن. وقال صالح، في تغريدة على "تويتر": "عدن بحاجة إلى دعم وإغاثة ومعدات طبية، بحاجة إلى فرق طبية لا فرق اقتحام ومعدات عسكرية".