استطلاعات الرأي في فلسطين... مؤشرات ومحدّدات

14 نوفمبر 2016
الصورة

اقتراع في رام الله في انتخابات 2012 المحلية (Getty)

+ الخط -
توسّعت صناعة استطلاعات الرأي في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 على مدار العقدين الماضيين، وجذبت اهتمام الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، إلى درجة تمكننا من نعت فلسطين "جمهورية مراكز الاستطلاعات". نظرياً، تسعى استطلاعات الرأي إلى قياس "المزاج العام" وفحصه، وهذا مهم للغاية. ولكن، عملياً قلّما تؤخذ نتائج هذه الاستطلاعات على محمل الجد، وتحظى بالاهتمام الكافي في دوائر التخطيط الاجتماعي، أو السياسي، أو في أروقة صنع القرار الفلسطينية. تحظى نتائج الاستطلاعات هذه ببعض الاهتمامات الخاصة، والعشوائية غير المنظمة في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى بعض الاهتمام الإعلامي، خصوصاً عندما تكشف عن بعض النتائج الملفتة للنظر أو المقلقة أو المثيرة لبعضهم، خصوصاً إنْ تعلق الأمر بحقوق اللاجئين وقضاياهم، أو الجدل حول حل الدولة الواحدة أو الدولتين، أو إنْ تعلق بنتائج الانتخابات الفلسطينية المستقبلية.
لا يجب أن يفاجئ هذا التهميش المنهجي لاستطلاعات الرأي ونتائجها أحداً، بمن فيهم القائمون عليها؛ إذ لا تغذي نتائج استطلاعات الرأي هذه أو ترفد نظاماً سياسياً ديمقراطياً يستمع لأصوات الناس، ويستجيب لتطلعاتهم، كما هو مأمول نظرياً. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أهمية (ومركزية) السؤال المطروق، والمتكرر دوماً في استطلاعات الرأي، "من ستنتخب في الانتخابات القادمة؟" إلاّ أن الانتخابات، بما فيها التشريعية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، تشكل الاستثناء، وليس القاعدة، إذ إنها جرت جزئياً عام 1996، وبشكل أكثر توسعاً عام 2006، والذي أدى إلى حالة التشظّي والتشرذم الداخلي الفلسطيني، والذي ما زال ينخر الجسد الفلسطيني، مع تواطؤ حركتي فتح وحماس في إدامة الانقسام وتجذيره. أضف إلى ذلك أن نتائج استطلاعات الرأي هذه تسخّرها النخب السياسية، في أحيانٍ كثيرة، لخدمة أهدافها
الفئوية أو الحزبية، بما تقتضيه أجندتها السياسية ومصالحها الشخصية. كذلك فإن استطلاعات الرأي، بمجملها، تعاني من محدّدات وضوابط منهجية وبنيوية، والتي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، وبجدية مطلقة، عند تحليل النتائج والاتجاهات، من أجل فهم أدقّ لها.
في استطلاع للرأي، ظهرت نتائجه أخيراً، وأجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، على عينة شبابية، تتألف من ألف شخص، تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً في الضفة الغربية (625 مبحوثاً) وقطاع غزة (375 مبحوثاً) ظهرت بعض النتائج التي تسترعي انتباهاً ومعالجةً وتحليلاً نقدياً بنّاء. فقد وصف التقرير السردي لنتائج الاستطلاع أن أغلبية المستطلعة آراؤهم تحمّل حركة حماس مسؤولية تأجيل انتخابات المجالس المحلية، والتي كان من المزمع انعقادها في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2016. وأشار التقرير إلى أن أكثرية الشباب المستطلعة آراؤهم يؤمنون بضرورة بقاء السلطة الفلسطينية، والحفاظ عليها، على الرغم من تقييم أدائها سلبياً. وقد حظي هذان المؤشران باهتمام إعلامي فلسطيني وإسرائيلي ودولي لافت، إلاّ أن المطلوب هو فهم أعمق وأدق، يقوم بمَشكلة هذه النتائج ويحللها بشكل أكثر نقديةً.
جرى استطلاع مركز القدس للإعلام والاتصال في سياق وزمان معينين، يتميزان بقلق وترقب فلسطيني لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، وبخوف مما ستحدثه التناحرات والانشقاقات الفتحاوية الداخلية، إضافة إلى تجذر حالة السلطوية القمعية البوليسية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، وما يصاحب ذلك من انتشار لثقافة الخوف. ومن دون أدنى شك، ساهمت هذه العوامل في التأثير على نتائج الاستطلاع. ولم تكن هذه "العوامل المحيطة" المؤثر الوحيد؛ فثمّة عوامل منهجية وبنيوية أخرى، لا تقل أهميتها عن "العوامل المحيطة"، ساهمت في تشكُّل النتائج، كتلك المتعلقة بكيفية عرض النتائج، إضافةً إلى الخيارات المتاحة للإجابة للمستجوبين. للتدليل على هذه العوامل المنهجية والبنيوية، لنأخذ المثالين الرئيسيين والمتطرق إليهما أعلاه.
أولاً، جاء في نتائج الاستطلاع أن أغلبية المستطلعة آراؤهم (24%) تحمّل حركة حماس مسؤولية تأجيل انتخابات المجالس المحلية. ولكن هذه الاستنتاج إشكالي، وربما خاطئ، لأن نتائج الاستطلاع نفسه أشارت إلى أن 19% و10% من المستطلعة آراؤهم يحملون حركة فتح والسلطة الفلسطينية على التوالي مسؤولية تأجيل انتخابات المجالس المحلية. وكما هو معروف، حركة فتح والسلطة وجهان لعملة واحدة ويتماهيان بشكل كبير. وبالتالي، فإن 29% من المستطلعة آراؤهم يحمّلون حركة فتح والسلطة الفلسطينية مسؤولية تأجيل انتخابات المجالس المحلية. وتختلف هذه النتيجة، بشكل ملحوظ، عن الواردة في ملخص نتائج الاستطلاع، وما لحقها من تغطية إعلامية واسعة. ويجب أن تسترعى هذه الملاحظة الاهتمام للمستقبل، لأن "تغليف" المعلومة و"تقديمها" جزء مهم من المعادلة المعرفية، وهذا "التغليف والتقديم" من الممكن إساءة استخدامه في المستنقع السياسي الحالي، إضافة إلى أهميته في تشكيل الوعي المعرفي العام.
ثانيا، تفيد نتائج الاستطلاع بأن أكثرية الشباب المستطلعة آراؤهم (64%) يؤمنون بضرورة بقاء السلطة الوطنية الفلسطينية، والحفاظ عليها، على الرغم من تقييم أدائها سلبياً، بدلا من حلها (27%). ولكن هذا الانشطار الثنائي ما بين الحفاظ على السلطة الفلسطينية أو حلها يعكس فهماً أسود أو أبيض، بدلاً من الفهم الرمادي بامتياز، والذي يعكس تعقيد تساؤلٍ كهذا، بل إنني أؤمن وأحاجج بأنه، وفي حال وجود خيار ثالث للإجابة للمستجوبين (مثل إعادة تعريف أدوار السلطة الفلسطينية ومهامها)، فإن النتائج ستكون مغايرةً بشكل لافت. الانشطار الثنائي ما بين الحفاظ على السلطة الفلسطينية، أو حلها، يعكس إشكاليات سياسية ومنهجية، تقوم على افتراض فرضيات معينةٍ ليست دقيقة أو صحيحة بالضرورة.
كذلك، من المهم تذكّر أن حوالى مليون فلسطيني يستفيدون بشكل مادي، ويعتمدون على السلطة الفلسطينية بشكل مباشر وغير مباشر، وهذا يبرّر النسبة العالية للمستطلعة آراؤهم، والذين يحاججون بضرورة بقاء السلطة الفلسطينية والحفاظ عليها، إذ تقتضي مصلحة هذه الفئة من المجتمع الفلسطيني بقاء الوضع كما هو، على الرغم من أنهم يقرون بسوء أداء السلطة الفلسطينية. ولكن، من المهم التذكّر أن قياس أداء السلطة، أو الفصائل الفلسطينية، ليس ذا معنى أو جدوى في الحالة الفلسطينية؛ إذ يفتقد النظام السياسي الفلسطيني أسس المساءلة، وكما تفتقد المؤسسات الضابطة مساءلةً كهذه. فلو كانت فعلا المؤهلات والكفاءة المهنية والمصداقية والسمعة الجيدة هي أسس تقييم الأداء، لما كانت القيادات السياسية الحالية وبرامجها وأساليبها في مراكز "صنع القرار" الآن، خصوصاً أنها تنتقل من تسطير فشلٍ إلى فشل آخر جديد، بالإضافة إلى فشلها في تلبية تطلعات الجماهير الفلسطينية.
أما التخوف من حالة "الفوضى وانعدام الأمان والفلتان الأمني"، في حال تم حل السلطة الفلسطينية، أو في حال انهيارها، فبالطبع هذا تخوف مشروع، ولا يمكن إغفاله، إلا أنه "تخوف الجبان الذي يمقت التغيير". فتجنب حالة "الفوضى وانعدام الأمان والفلتان الأمني" هو بيد الفلسطينيين أنفسهم، بشكل كبير، إلاّ أن النخب السياسية الطاغية، وفي غياب الضغط الشعبي
اللازم، تنكر وتتملص من أي استحقاقٍ "لتحول ديمقراطي" لتداول "السلطات" بشكل سلمي وسلس. فعنونة تخوفات الجماهير تتطلب نظاماً سياسياً فلسطينياً مستجيباً وحسّاساً للمتطلبات الشعبية للناس. وهذا لن يحدث في الحالة الفلسطينية، قبل البدء في مشروع تغييري، مدفوع محلياً ووطنياً، لعنونة الاختلالات الهيكلية في النظام والحقل السياسي الفلسطيني، رغماً عن الاحتلال العسكري الكولونيالي الإسرائيلي، وفي غضونه.
أخيراً، تجدر ملاحظة مؤشرين آخرين، إذ قال 48% من المستطلعة آراؤهم إن قرار تأجيل انتخابات المجالس المحلية لا يؤثر عليهم (أجابوا: لا فرق عندي)، وقال 33% من المستطلعة آراؤهم إنهم لا يثقون بأي تنظيم سياسي أو ديني. وتعكس المؤشرات هذه حالة انعدام الثقة وفجوة الشرعية والتمثيل، والتي تميز النظام السياسي الفلسطيني، إضافة إلى تمثيلها الفجوة المستمرة في الاتساع ما بين النخب السياسية الطاغية وعموم الناس.
يشير هذان المؤشران، أيضاً، إلى درجة بُعد الفلسطينيين من صُلب نظامهم السياسي، وبالتالي، فإن فكرة عقد الانتخابات باعتبارها تعبيراً ديمقراطياً في ظل ديناميكيات القوة والنُّظم والأطر السائدة تبقى معيبة جوهرياً. فمتطلبات استباقية عديدة يجب أن تتحقق من أجل عقد انتخابات ذات معنى ومغزى. بكلمات أخرى، توضح قراءة نقدية لنتائج استطلاع مركز القدس للإعلام والاتصال أن إجراء الانتخابات، في ظل الهياكل والنظم الحالية، لن تشكل حلاً سحرياً لأزمات الثقة وفجوات الشرعية متعدّدة الأوجه، بل على العكس، هي ستعمل على إعادة إنتاج الإشكاليات والسلطوية نفسها، وتخلق مجرد "شرعية اسمية"، تطغى وتغطي على حقيقة "الإنكار الديمقراطي"، فادّعاء الديمقراطية في ظل نظام غير ديمقراطي يماثل ذلك الخطر المتولد من السلطوية القمعية نفسها.