ابتزاز الأسرى... مصلحة سجون الاحتلال الإسرائيلي تنهب أموال المعتقلين

24 يناير 2017
الصورة
الاحتلال يتنصل من واجباته ويحوّل السجون إلى سوق استثمارية(Getty)
تتجدّد معاناة الأم الفلسطينية نوال حسام أبو سرور (أم النورس) في بداية كل شهر، إذ لا بد أن تدبّر مبلغ خمسة الآف شيكل (ما يوازي 1312 دولاراً أميركياً)، حتى تحوّله إلى أبنائها الثلاثة القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات، من أجل شراء احتياجاتهم الأساسية من الطعام والملابس وغيرها من الضروريات.

وتتكرّر معاناة أم النورس مع عائلات سبعة آلاف أسير في سجون الاحتلال، وفقاً لإحصاء صادر عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، "إذ تقلّل سلطات مصلحة سجون الاحتلال كميات الأرز والخبز والحليب المقدّمة للأسرى، فيما تعمد إلى توفير وجبات رديئة ومتدنية من حيث قيمتها الغذائية ومستوى نظافتها، إذ يطبخها المساجين الجنائيون الإسرائيليون، ضمن منظومة لابتزاز الأسرى وإجبارهم على شراء احتياجاتهم من "كانتين" السجن، عبر تحويلات مالية من ذويهم، أو من السلطة الوطنية الفلسطينية"، بحسب ما يؤكد الأسير المحرر علاء حسن الريماوي، والذي أمضى 11 عاماً في سجون الاحتلال.

ويصف الريماوي ما تقوم به سلطات الاحتلال بـ"الابتزاز" الممنهج وسرقة أموال الأسرى وعائلاتهم التي تعاني جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن "الأمر تعدّى بيع السلع في كانتين السجون بأسعار مضاعفة إلى فرض غرامات تقتطع مباشرة من حساب الأسير"، وتابع موضحاً "إذا كان كيلو الأرز يباع في السوق الإسرائيلية بدولار واحد على سبيل المثال، فإن الأسير مجبر على شرائه بضعف ثمنه، وفي حال احتاج الأسير إلى حذاء يعادل ثمنه 20 دولاراً في السوق يجده في الكانتين بـ 100 دولار!".


اتفاقية مجحفة

في عام 2004، بدأت مصلحة سجون الاحتلال في إدارة ما يُعرف بالكانتين (متجر السجن) عبر شركات تجارية إسرائيلية خاصة تزوّد السجون باحتياجات الأسرى الأساسية والكمالية، ومنذ ذلك الوقت بدأت في التنصّل من التزاماتها تجاه الأسرى وتقليص مسؤولياتها الواجبة، بحسب وزير شؤون الأسرى والمحررين السابق أشرف العجرمي، والذي أوضح أنه على الرغم من دفع السلطة مبلغ 250 شيكل شهرياً لكل أسير إلا أن الأسرى كانوا يشتكون من عدم وصول جزء كبير من المبالغ المخصصة لهم، وعدم انتظام وصولها، الأمر الذي دفع السلطة إلى البحث عن آلية شفافة وسريعة لتوصيل تلك الأموال، وبالفعل حصلت هيئة شؤون الأسرى والمحررين (وزارة شؤون الأسرى والمحررين سابقاً)، على موافقة الحركة الأسيرة بكل أطيافها لتوقيع ما يعرف باتفاقية الكانتين.

وبحسب الاتفاقية ومحضر الاجتماع الذي جرى في مكتب المستشار القضائي لمصلحة سجون الاحتلال في يناير/كانون الثاني عام 2008، والذي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه، فإن الجانبين اتفقا على عدة بنود، من بينها إبلاغ مصلحة سجون الاحتلال وزارة الأسرى والمحررين بعدد السجناء الأمنيين والجنائيين شهرياً، وأن تحول السلطة سلفاً 250 شيكل شهرياً لكل سجين من الضفة وقطاع غزة، وأن تكون مشترياتهم عن طريق شركة (د.د.ش مفتسية هدروم - شركة موزعو الجنوب)، المعتمدة من قبل مصلحة السجون لتوريد الكانتين للسجون، وأن تتلقى السلطة فاتورة ضريبية لتتمكن من الحصول على الخصم الضريبي.

لكن رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع يرى أن الاتفاقية جاءت نتيجة للظروف السيئة والضاغطة التي خلقتها إسرائيل، واصفاً سياقاتها بالمجحفة وغير القانونية، وتابع في تصريحات لـ"العربي الجديد"، بأن هناك عدة ثغرات في الاتفاقية من بينها أنها نصّت على دفع السلطة مخصصات للسجناء الفلسطينيين الجنائيين بالإضافة إلى الأسرى، لافتاً إلى أن عدد الجنائيين في سجون الاحتلال يترواح شهرياً ما بين 800 سجين إلى 1200 سجين، كذلك استثنت الاتفاقية أسرى القدس والأراضي المحتلة عام 1948، "الأمر الذي يعد خطأً مبدأياً" على حد قوله.



ورفعت السلطة الفلسطينية مخصصات كل أسير من 250 شيكل شهرياً إلى 300 شيكل، ثم إلى 400 شيكل، بحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين، والتي أوضحت لـ"العربي الجديد" أن الصندوق القومي الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية يدفع 33 مليون شيكل سنوياً لمصلحة سجون الاحتلال، نظراً لاحتجاز سبعة الآف أسير في سجون الاحتلال يتوزّعون على 23 سجناً إسرائيلياً، فيما يحول ذوو الأسرى أضعاف هذا المبلغ، كل حسب قدرته وطاقته المادية.


انتهاك الاتفاقيات الدولية

تنص المادة 26 من اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب الصادرة في 12 آب/أغسطس 1949 على أن "تكون جرايات الطعام الأساسية اليومية كافية من حيث كميتها ونوعيتها وتنوّعها، لتكفل المحافظة على صحة أسرى الحرب في حالة جيدة ولا تعرضهم لنقض الوزن أو اضطرابات العوز الغذائي. ويراعى كذلك النظام الغذائي الذي اعتاد عليه الأسرى، بالإضافة إلى أنه، بقدر الإمكان، يشترك أسرى الحرب في إعداد وجباتهم، ولهذا الغرض، يمكن استخدامهم المطابخ. وعلاوة على ذلك، يزوّدون بالوسائل التي تمكنهم من تهيئة الأغذية الإضافية التي في حوزتهم بأنفسهم".

"بالطبع لا تلتزم دولة الاحتلال بهذه البنود ولا بغيرها من المواثيق"، وفقاً لما يؤكده المدير العام لمؤسسة الحق (القانون من أجل الإنسان) شعوان جبّارين، والذي يؤكد تنصل الاحتلال من جميع مسؤولياته في توفير المأكل والمشرب والملبس والعلاج، وهو ما يفسره عيسى قراقع، على أنه عملية توفير للموازنه الإسرائيلية من جهة، وتحويل المعتقلات والسجون إلى سوق استثمارية تجني من ورائها الشركة المزودة للكانتين أرباحاً كبيرة، وتابع قائلاً: "توفير السلطة وذوي الأسرى لتلك الأموال خطأ استراتيجي لا يجوز".


سرقة المخصصات عبر الغرامات

تتعامل سلطات الاحتلال مع مخصصات الكانتين الخاصة بالأسرى على أنها أرصدة مالية يمكن مصادرتها، إذ كشفت بيانات هيئة شؤون الأسرى والمحررين عن فرض غرامات مالية على الأسرى، وبحسب رياض الأشقر، الناطق الإعلامي لمركز أسرى فلسطين للدراسات، فإن سلطات السجون تفرض على الأسير مبلغاً يوازى 50 دولاراً إذا رفع صوته بالغناء و55 دولاراً في حال وضع صورة على الحائط، و50 دولاراً عند وضع حبل لنشر الملابس داخل الغرفة، وما يوازي 15 دولاراً عند التأخر على العدد الصباحي، بينما تصل الغرامة إلى 100 دولار في حال ادعى الاحتلال بأنه ضبط جهاز اتصال في إحدى الغرف، وهو ما ينافي ما يحدث في حالة العقوبات التأديبية في السجون بجميع أنحاء العالم، على حد قول الحقوقي جبارين، والذي أشار إلى أن هذه العقوبات جرت العادة على أن تكون تأديبية مثل الحرمان من الزيارة، لكن لا توجد عقوبات بغرامات مالية مثلما يحدث، لافتاً إلى أن الاحتلال يجني ملايين الشواكل شهرياً عبر الأسرى الفلسطينيين، كما أن الاحتلال يحصد فوائد بنكية نتيجة أموال الكانتين المودعة في الحساب البنكي المخصص لذلك، محملاً السلطة الوطنية مسؤولية الأمر قائلاً: "حتى لو هدفت السلطة إلى مساعدة وعون الأسرى مادياً، إلا أن مصلحة السجون فرضت شروطها على تلك الاتفاقية وحولتها إلى استثمار في الأسرى".

غير أن الوزير العجرمي دافع عن الاتفاقية، معتبراً أنها ساهمت في تعزيز دور السلطة كممثل للأسرى، ومكّنت السلطة من استرداد قرابة نصف مليون شيكل شهرياً، عائد ضريبي بدل (مقاصة) كان يضيع نتيجة إيداعه في صناديق البريد الإسرائيلية، متابعاً أن "الخصومات المالية من كانتين كل أسير غير مبررة بالطبع والاتفاقية لا تسهل الأمر، إذ إنها مخصّصة لتوفير الاحتياجات التي لا تزوّد مصلحة السجون الأسرى بها، والواقعة خارج إطار قائمة المواد الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وغيرها، بالتالي فإن المشكلة تكمن في كيفية تعاطي الأسير مع المخصصات، إذ إن شراء مثل تلك المواد الأساسية من أموال الكانتين يُعد خطأ".


انتفاضة الأسرى

يتفق الأسير المحرر الريماوي والحقوقي جبّارين على أهمية مواجهة الاحتلال قانونياً وفضح مخالفاته للقانون الدولي ونهبه الأسرى وتنصّله من واجباته، ويرى جبّارين أن الحركة الأسيرة عليها التوحد وتحميل سلطة الاحتلال مسؤولياتها، من خلال وضع برنامج موحد بدعم وتضامن الشارع الفلسطيني، لتغيير بنود اتفاقية الكانتين، "وهو ما يقتضي بحثاً قانونياً لكيفية الضغط على الاحتلال من أجل تغيير الاتفاقية أو إلغاء العمل بها، لكن بشرط اتخاذ القرار بعد موافقة جميع فئات الحركة الأسيرة"، بحسب عيسى قراقع، والذي أضاف "نحتاج إلى انتفاضة من الأسرى والصمود في مواجهة الاتفاقية".

ولفت رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى محاولة سابقة لتعديل الاتفاقية عبر اجتماعات مع المستشار القانوني لمصلحة سجون الاحتلال، "لكن لم يتم التوصل إلى أي نتيجة، وهو ما يعني أن علينا بذل المزيد من الجهد لأن بقاء الأمور على ما هي عليه استنزاف مالي كبير جداً وخطأ كبير بحق الأسرى وعائلاتهم".

في المقابل يرى الوزير العجرمي أنه لا توجد آلية لتعديل الاتفاقية أو صيغة أفضل من المتاحة، قائلاً "هذه أفضل صيغة ممكنة وتحلّ مشكلة الكانتين بشكل جذري للأسير"، مشيراً إلى إمكانية إلغاء الاتفاقية، خاصة أنها ليست موقّعة بين حكومات، قائلاً: "حتى أنا بصفتي لم أوقّع عليها شخصياً، ويمكن لأي مسؤول فلسطيني أن يوقف التعامل بها والعودة إلى الصيغ السابقة في حال تم التوافق على ذلك".