إيران: قضية "إنستكس" تتفاعل مع التصويب على حكومة روحاني

إيران: قضية آلية "إنستكس" الأوروبية تتفاعل مع التصويب على حكومة روحاني

30 يونيو 2019
الصورة
اجتماع فيينا يوم الجمعة حيث أُطلقت الآلية (فرانس برس)
+ الخط -

في موقف يتناقض مع التصريحات الأوروبية، تستمر إيران في تأكيد أن آلية "إنستكس" للمدفوعات المالية لا ترتقي إلى مستوى تطلعاتها، مطالبة بضرورة تطوير نطاق عملها ليشمل السلع المحظورة، وألا يقتصر على السلع غير المشمولة بالعقوبات.

أوروبا من جهتها، أعلنت يوم الجمعة الماضي، في ختام مباحثات فيينا بين إيران والمجموعة 1+4 الشريكة في الاتفاق النووي، أن قناة المدفوعات المعروفة بـ"إنستكس" INSTEX جاهزة للعمل مع إيران، وهي قد دُشنت بالفعل وتقوم بأول معاملاتها.

ووسط الانتقادات الرسمية للقناة الأوروبية، التي تهدف إلى الضغط على الجانب الأوروبي لتطوير عملها، أقحمت صحف أصولية ومحافظة هذا الموضوع في بازار الخلافات السياسية الداخلية، لمهاجمة حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني، داعية إياها إلى عدم الانخراط في هذه الآلية.

ويأتي الموقف الإيراني من إعلان أوروبا تدشين "إنستكس" بعد تفاؤل حذر أو ترحيب خجول أبدته السلطات الإيرانية حيال ذلك، واصفة إياها بأنها "خطوة إلى الأمام لكنها غير كافية".
في السياق، قال محافظ البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، اليوم الأحد، إن آلية "إنستكس" تحتل "موقعاً محدوداً" في استراتيجية البنك المركزي في سوق العملات الصعبة، مضيفاً أن أوروبا سرعت من وتيرة جهودها لتدشين "إنستكس" وإيران أيضاً قد أكملت سابقاً البنية التحتية اللازمة للشركة الإيرانية النظيرة للقناة الأوروبية.

ودعا همتي عبر صفحته على "إنستغرام" إلى إجراء 3 إصلاحات في عمل الآلية الأوروبية "لاستدامته"، قائلاً عن التعديل الأول إنه "ينبغي أن تعمل إنستكس وفق الاتفاق النووي وتقوم بجميع المعاملات التي يجيزها هذا الاتفاق، ولا تتحرك وفق قواعد العقوبات الأميركية".

وعن التعديل الثاني، أوضح محافظ البنك المركزي الإيراني أنه "يجب توسيع نطاق عمل إنستكس ليتجاوز السلع غير المحظورة إلى كافة السلع (المحظورة وغير المحظورة) لاحقاً".

وحول الثالث، قال همتي إنه "ينبغي تأمين مصادر إنستكس من الصادرات النفطية الإيرانية إلى أوروبا"، مضيفاً أنه "إذا كانت أوروبا لا تستطيع مؤقتاً شراء النفط الإيراني، فيمكن إنشاء خط ائتماني طويل الأمد يتم دفعه لاحقاً من عوائد النفط".

وأضاف أن ذلك "يعتبر حلاً مؤقتاً قابلاً للدراسة وأن الأوروبيين أنفسهم قد أشاروا خلال المباحثات إلى حلول مشابهة".

ولفت همتي إلى أن "ثمة نماذج قيد العمل لمشاركة بقية داعمي الاتفاق النووي في آلية إنستكس أو آلية مستقلة مشابهة لها".
وختم المسؤول المالي الإيراني حديثه حول القناة الأوروبية بالقول إنها "تحتل موقعا محدودا في استراتيجية البنك المركزي الإيراني في سوق العملات الصعبة"، مؤكداً أن "هناك برامج متعددة أخرى طبقت أو قيد التطبيق في مجال العلاقات المالية الخارجية لإيران بالعملات الصعبة".

وكانت اللجنة المشتركة المكونة للأعضاء المتبقين الخمسة في الاتفاق النووي قد عقدت قبل أمس الجمعة اجتماعاً في فيينا، من أبرز نتائجه الإعلان الأوروبي عن تدشين "إنستكس" التي أسستها الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) الشريكة في الاتفاق النووي.

وخرج اجتماع فيينا ببيان في 9 بنود، أكد فيه المجتمعون ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي، والتزام الجميع بتعهداتهم. وتضمن البيان تأكيد الدول الأوروبية الثلاث أنها قد دشنّت بالفعل آلية "إنستكس" المالية.

وعقدت اللجنة المشتركة اجتماع فيينا على مستوى مساعدي وزراء الخارجية للدول الأعضاء في الاتفاق النووي، بالإضافة إلى مساعدة رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، هيلغا اشميد، على أن تعقد اجتماعاً آخر بعد أيام على مستوى وزراء الخارجية.

وتأتي هذه الاجتماعات وسط تهديدات إيران المتصاعدة خلال الآونة الأخيرة بأنها عازمة على تنفيذ المرحلة الثانية من تقليص تعهداتها النووية بعدما شارفت مهلة الستين يوماً على الانتهاء من دون أن يقوم شركاء الاتفاق، لا سيما الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بـ"أدنى خطوة عملية"، تلبي مطالبها المتمثلة في تسهيل بيعها النفط والمعاملات المالية والمصرفية مع الخارج.

وفي أول تعليق إيراني على مخرجات الاجتماع، وصفه مساعد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي شارك فيه مندوباً عن إيران، بأنه "خطوة إلى الأمام لكنها غير كافية".

وأضاف عراقجي أنه لا يعتقد أن التقدم الحاصل في مباحثات فيينا "يكفي لتغيير موقف طهران"، وذلك في إشارة إلى تقليص تعهدات نووية.
وحول إن كانت إيران ستتخطى مستوى تخصيب اليورانيوم بعد هذه المباحثات، قال عراقجي إنه سيرفع نتائجها إلى طهران لتقرر السلطات هناك.

مهاجمة حكومة روحاني

وفي سياق الموقف من إعلان أوروبا تدشين "إنستكس"، بدا واضحاً توظيف هذا الإعلان في المعارك السياسية الداخلية، لتهاجم صحف ووسائل إعلام محافظة حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني، لتوقيعها على البيان الذي خرجت به مباحثات فيينا الجمعة الماضية، مبدية معارضتها بشدة الانخراط في قناة "إنستكس".

وهاجمت صحف محافظة معروفة مثل "كيهان" و"جوان" و"وطن أمروز" و"رسالت" و"فرهيختغان" في افتتاحياتها اليوم الأحد، القناة الأوروبية، موجهة انتقادات حادة للحكومة الإيرانية.

ووصفت صحيفة كيهان المحافظة في افتتاحيتها بقلم مديرها الصحافي المتشدد حسين شريعتمداري بأن الانضمام إلى القناة الأوروبية هو "تكرار لكارثة التوقيع على الاتفاق النووي".

ودعا شريعتمداري روحاني والمسؤولين في الخارجية الإيرانية إلى "استخلاص العبر" مما وصفه بـ"كارثة الاتفاق النووي وعدم تكرار هذه الكارثة من خلال القبول بإنستكس".

وجاء في افتتاحية "كيهان" أن "البيان الصادر عن اللجنة المشتركة للاتفاق النووي في فيينا، والمكون من تسعة بنود، يوضح أن الأوروبيين يفكرون بعملية احتيال جديدة ضد إيران".

وأعربت الصحيفة عن أسفها لتوقيع إيران على البيان الذي وصفته بأنه "مخز"، قائلة إن "إنستكس هي البديل الأوروبي للاتفاق النووي".
وذكر شريعتمداري في افتتاحية كيهان أن "آلية إنستكس تعني بصريح العبارة النفط مقابل الغذاء والدواء"، معتبراً ذلك بأنه "مخز وعار وهي الآلية التي طبقتها أميركا وحلفاؤها مع العراق" بعد حربه على الكويت.

وأضاف شريعتمداري أن هذا البرنامج فُرض على العراق بعد أن انهزم النظام العراقي السابق في مواجهة الهجوم العسكري لواشنطن وحلفائها، متسائلاً "هل الجمهورية الإسلامية تعيش نفس الظروف لكي تقبل بهذه الآلية؟".

وأوضح أن إيران تعيش ظروفاً مختلفة وأنها "وجهت ضربة قاسية ومخزية لأميركا بإسقاطها طائرة مسيرة أميركية قبل عدة أيام و(الرئيس الأميركي دونالد) ترامب عجز عن فعل أي شيء إلا كتابة تغريدات".

"إنستكس سيارة بدون بنزين"

وعلى صعيد متصل، قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي، اليوم الأحد، إن "الوضع الراهن لآلية إنستكس غير كاف"، داعياً إلى إصلاح ذلك وتطوير عملها.

وأضاف تخت روانجي أن "هذه الآلية من دون وجود ائتمانات ومصادر مالية تبقى كسيارة جميلة من دون بنزين".

وأكد المندوب الإيراني أن أوروبا لم تقم بـ"عمل ملحوظ" منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، مشيراً إلى أن بلاده "لم يعد بمقدورها الالتزام بالاتفاق بمفردها من دون أن تحصل على منافعه الاقتصادية".

وأوضح تخت روانجي أن "مجرد الدعم العالمي للاتفاق النووي لا يحل مشكلة إيران"، مضيفاً "ليس بمقدورنا أن نصبر أكثر من ذلك ولا نهدد أحداً ونحن أعلنا عن قراراتنا وسنقوم بتقليص جديد لتعهداتنا ما لم يقم (شركاء الاتفاق) بتنفيذ تعهداتهم".

من جهته، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، اليوم الأحد، إن "إنستكس خرجت عن طابعها الاقتصادي لتتحول إلى مسألة سياسية"، مضيفاً أن "نتائج مباحثات فيينا أظهرت الإرادة السياسية للدول لإيجاد فضاء دبلوماسي".
واعتبر فلاحت بيشه أن القناة الأوروبية "لا تلبي من الناحية الاقتصادية توقعات الجمهورية الإسلامية من الاتفاق النووي"، قائلاً إن بلاده يمكنها في إطار رؤية استراتيجية أن "تتابع مطالبها في سياق مباحثات حول إنستكس".

وأشار إلى أن "إنستكس ليست بيع النفط مقابل الغذاء وأن أوروبا قد أنشأت خطوط ائتمان لتأمين حاجات إيران"، داعياً بلاده إلى السعي لإدراج بقية المعاملات التجارية مثل بيع النفط في عمل الآلية.

وكان النائب حشمت الله فلاحت بيشه، قد أكد في تغريدة له عبر "تويتر"، أمس السبت على ضرورة "إعطاء الفرصة لإنستكس"، معللاً قوله هذا بأن "أثر الآلية السياسي أهم من انفراجات اقتصادية لها لتجاوز الفخ الذي وضعه المتطرفون".

إلا أن زميله في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، محمد إبراهيم رضايي، لا يتفق معه في ذلك، إذ يرى أن "منافع إيران لا تتحقق عبر إنستكس"، داعياً الحكومة الإيرانية إلى "ألا تربط جميع برامجها وأهدافها بالاتفاق النووي وتنفيذه من عدمه".

وأضاف رضايي أن أوروبا تأخرت كثيراً في تدشين آليتها المالية المعروفة بإنستكس "وهي ليست حلاً للالتفاف على العقوبات في الوقت الحاضر".

وأكد أن هذه الآلية لا تلبي مطالب إيران "المندرجة تحت سقف الاتفاق النووي"، قائلاً إن "إنستكس ليست قناة تبيع إيران من خلالها نفطها وتمكّن الشركات الأوروبية من العمل في إيران".

واتهم رضايي الاتحاد الأوروبي بـ"شراء الوقت من خلال وعود واهية"، مضيفاً أنه "ليس صادقاً في تطبيق قناة "إنستكس" لتأمين منافع إيران في كافة المجالات".

وأشار النائب الإيراني إلى أن "أوروبا لم تقدم ضمانات لإيران للالتفاف على العقوبات وأن تدشين قنوات مالية ليس عملاً صعباً، لكن على أرض الواقع ما دامت أميركا تضع عراقيل لا يمكن أن نكون متفائلين بأن يتم تطبيق هذه القنوات".

ومن جهته، دعا النائب الإيراني الإصلاحي مصطفى كواكبيان إلى "ألا يتم اقتصار مواصلة الاتفاق النووي مع أوروبا على قناة إنستكس التي تشمل فقط السلع غير المحظورة"، داعياً إلى أن يتجاوز نطاقها التجارة مع أوروبا وأن تشمل عمليات بيع النفط وأنواع المعاملات المصرفية.

ما هي إنستكس؟

هي قناة مالية تُعرف باسم "آلية دعم المبادلات التجارية مع إيران"، أسستها الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) الشريكة في الاتفاق النووي في 31 يناير 2019 لتسهيل التجارة مع إيران.

وجاء تأسيس القناة بعد وعود أوروبية متكررة لإيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات شاملة على طهران، للتعويض عن الخسائر الناجمة عن ذلك. وظلت القناة غير مفعلة إلى أن أعلنت أوروبا الجمعة الماضية أنها قد دشنتها بالفعل.

ويقع مقر شركة إنستكس في باريس ويرأسها المصرفي الألماني "بير فيشر". وأعلن البيان التأسيسي للآلية أن عملها يقتصر على دعم التبادل التجاري مع إيران في مجالات السلع الإنسانية، التي لا يشملها الحظر الأميركي، مثل الأدوية والمواد الغذائية والمنتوجات الزراعية، الأمر الذي يثير تحفظ طهران، داعية إلى أن تشمل السلع المحظورة بما فيها النفط لكي تتمكن هي من تحصيل منافعها من الاتفاق النووي.

وأعلنت إيران في 30 إبريل/نيسان الماضي أنها قد أسست بدورها النظيرة الإيرانية للآلية الأوروبية لـ"إنستكس"، تجاوباً مع طلب للترويكا الأوروبية.

وتحمل الشركة الإيرانية اسم "شركة الأسهم الخاصة للآلية الخاصة للتجارة والتمويل بين إيران وأوروبا"، ومديرها التنفيذي شخص يُدعى علي أصغر نوري، ورئيس مجلس الإدارة للشركة حميد قنبري.

وستعمل الشركة في مجالات عديدة من بينها، إنجاز كافة المعاملات التجارية الواردة في قانون التجارة كالشراء والبيع والصادرات والواردات، وتقديم خدمات التصفية والدفع لجميع المصدرين والموردين الحقيقيين والاعتباريين ولبنوك محلية وأجنبية ومؤسسات حكومية.

المساهمون