إنجازات سودانية... قوانين تستردّ مظالم تاريخية

10 اغسطس 2020
الصورة
تظاهرة تطالب باقرار أهداف الثورة (محمود حجاج/ الأناضول)

ثورة ما بعد ثورة... هذا أقل ما يمكن قوله عن التعديلات القانونية التي فرضتها الحكومة الانتقالية السودانية، من بينها تجريم ختان الإناث

قوبلت التعديلات التي أجرتها الحكومة الإنتقالية السودانية، وتضمنت إلغاء عقوبة الإعدام للمرتدين عن الدين الإسلامي، وشطب عقوبة شرب الخمر لغير المسلمين، ورفع سن المسؤولية القانونية إلى 18 عاماً، والسماح للأم باصطحاب أطفالها إلى خارج البلاد من دون إذن الزوج، بردود أفعال مرحبة ورافضة من قبل المواطنين. 
إضافة إلى ما سبق، شملت التعديلات قانون مكافحة جرائم المعلوماتية والقانون الجنائي والحقوق والحريات الأساسية، وفرض عقوبة على ختان الإناث بالسجن ثلاث سنوات بعد سجال اجتماعي وديني استمر

عقوداً. كما ألغت التعديلات عقوبة الجلد في كل النصوص القانونية، إلا في الحدود المرتبطة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.


وأصدرت التعديلات نصاً جديداً في القانون الجنائي يمنع تكفير الأشخاص، على أن تصل عقوبة مرتكب هذه الفعل إلى 10 سنوات سجناً، مع ضبط مادة تجريم الدعارة بما يضمن عدم أخذ الناس بالشبهات. ويؤكد وزير العدل نصر الدين عبد الباري أن التعديلات الجديدة هدفت إلى تحقيق العدالة بين المواطنين، وعدم التمييز بين الأشخاص على أساس ديني، موضحاً أن المواطنين في حاجة إلى تعديلات كهذه بعد فرض تصورات دينية عليهم، وكان لزاماً على حكومة الثورة تعديل بعض ما هو موروث.  
وحظيت تلك القوانين بترحيب واسع من قبل فئات اجتماعية كثيرة، خصوصاً غير المسلمين، ومنظمات دولية مدافعة عن حقوق الإنسان. ويرى الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي إيليا ويليم، إنه لمس تفاعلا إيجابياً من المسيحيين، خصوصاً أنها ترد مسألة الحقوق والواجبات إلى معيار المواطنة، وتجعل الناس قادرين على تحديد خياراتهم وقراراتهم وسلوكهم بحسب قناعاتهم.
يضيف لـ "العربي الجديد" أن مسألة وحدة المجتمع السوداني لم تكن مكتملة طوال العقود الماضية بسبب قوانين معيبة فرضها النظام السابق على السودانيين، مستبعداً فرضية أن يكون للتعديلات الأخيرة تأثيرات سلبية على المجتمع، باعتبار أن كل فرد لديه ما يكفي من القناعات للالتزام بالطريق الصحيح.  
من جانبها، توضح الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة إنتصار العقلي، أن السودانيات هن أوائل الرابحات بسبب تعديل القوانين، وقد حققن مكسباً عظيماً من خلال تجريم ختان الإناث كعادة دفعت النساء الكثير من أثمانها، وإلغاء إلزامية الحصول على إذن من الزوج لاستخراج أوراق ثبوتية لأطفالها أو اصطحابهم في حال السفر إلى الخارج . يضاف إلى ما سبق رفع سن المسؤولية القانونية إلى 18 عاماً، علماً أن الأطفال كانوا يحاكمون بعد ظهور علامات البلوغ.
وتؤكد العقلي لـ "العربي الجديد" أن كل تلك المكاسب ما كان لها أن تحدث لولا نضالات المرأة السودانية التي قالت إنها ستواصل العمل في المستقبل للضغط من أجل المزيد من التعديلات التي تكرس التمييز بين الرجل والمرأة، مشيرة إلى أن جمعيات مدافعة عن حقوق المرأة سلمت في الأيام الماضية مذكرة من أجل إقرار تشريع يحمي المرأة في مناطق النزاعات، وتوقعت إقراره قريباً التزاماً بالمواثيق والعهود والقرارات الدولية، خصوصاً القرار 1325 الصادر عن الأمم المتحدة.

الصورة
ناشطة سودانية في تظاهرة- فرانس برس

وعلى الضفة الأخرى، وقفت تيارات دينية بقوة ضد التعديلات الأخيرة التي رأت أنها تخالف الشريعة الإسلامية وتدمر أخلاق المجتمع، بحسب ما جاء في بيانات كثيرة. وصعّدت تلك التيارات مواقفها من خلال تظاهرات واحتجاجات، وقررت أن تكون أسبوعية بعد كل صلاة جمعة. 
في المقابل، كان رأي الداعية الإسلامي أحمد صباح الخير مختلفاً. ورأى أن هناك فهما خاطئا للتعديلات ومحاولة من قبل البعض لاستغلالها سياسياً. أكثر من ذلك، رأى أن إلغاء مادة تجرم ختان الإناث يتطابق تماماً مع تعاليم الدين الإسلامي بعدما ثبت حجم الأضرار التي يتسبب بها الختان. ويدعو صباح الخير، في حديث لـ "العربي الجديد"، إلى مزيد من التوعية بين المواطنين وشرح أهداف التعديلات وفوائدها ليدرك المجتمع الحقيقة ويلتزم بها ويقتنع أنها سنت لمصلحته. ويشير إلى أن إدخال مادة تجرم التكفير سيقلل من الاحتقان المجتمعي والمذهبي والطائفي، لأن كثيرين تأذوا من التكفير، ما عرّض البعض لخطر القتل. 
إلى ذلك، يرى الكاتب الصحافي بكري المدني أن "قيمة القوانين وقضيتها تظهر بشكل أساس في تفسيرها. لذلك، نجد أن المشرّع يجتهد دائماً في أن تكون الأمور واضحة وغير قابلة للتأويل في معظم الأحيان". ويلفت إلى أن "التعديلات التي أجرتها حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أتت بنصوص تعزز الخلافات، وكان أولى إرجاءها إلى حين قيام مؤسسات تشريعية منتخبة".
ويؤكد المدني لـ "العربي الجديد" أهمية تلك التعديلات، مشدداً في الوقت نفسه على أنّها ما زالت غامضة، مستشهداً بنصّ تجريم ممارسة الدعارة، الذي يشترط تعريف المكان الذي يمارس فيه هذا النشاط على أنّه مخصص للدعارة قبل تجريم من يضبط بممارسة هذا النشاط. ويؤكد أنّ من شأن ذلك حماية كثير من الناس وسمعتهم من طائلة مادة تأخذ الناس بالشبهات على الطرقات أو المكاتب أو غيرها من أماكن ليست معدة سلفاً لممارسة الدعارة بشكل معلن أو واضح. لكنّ هذا التعديل يبقى جدلياً ويحتاج إلى تفسير كامل. كذلك الحال بالنسبة للحفاظ على حقوق غير المسلمين الذين يجب ألا يخضعوا للتشريعات الإسلامية في مسألة بيع الخمور وحتى تناولها، بما لا يتعارض مع حق وحرية الآخرين. يضيف: "أكبر قضية عالجتها التعديلات الأخيرة في تقديري هي مسألة حد الردة، إذ جزم كبار علماء المسلمين بأنه لا اجتهاد مع النص... والنص القرآني واضح في مسألة الردة، وقد نصّ صراحة على حرية الاعتقاد الشخصي من دون طعن في معتقدات الآخرين".

ويوضح أنه "لو أبعدنا الصراع السياسي عن الآثار الإجتماعية المنتظرة لتلك التعديلات، فيمكن القول إنها تحفظ حقوق الأفراد داخل المجتمعات المتباينة والسلم الاجتماعي عموماً. عدا ذلك، يمكن أن تكون مدعاة للفتنة الدينية والاجتماعية، ما يجعلني أجزم بأنها مطلوبة لكنها جاءت في غير وقتها".