إلياس فركوح .. حيوية "كائن ثقافي"

18 يوليو 2020
الصورة

قد لا يعرف كثيرون أن الكاتب الأردني، إلياس فركوح، من أصل غير عربي ( يوناني). وفي حوار عابر معه عن هذه المسألة، بدا بين مهتم ومنفعل وغير مكترث بها، ولم يتوقف عندها طويلا. والراجح أن أسلافه قدموا إلى شمال الأردن في سنوات الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، وأن تجمّع أوائل العائلة منح قريتهم "زبدة فركوح" اسمها، وأن بعضهم انتقل من القرية إلى مدينة إربد القريبة، أصبحوا من أبرز العائلات المسيحية في "عروس الشمال"، فيما انتقل آخرون إلى عمّان. وربما كان لأصوله غير العربية دور في كَلَفه الفائق بالأسلوبية والقاموس المستحدث، وولعه بالصياغة المتأنقة لسروده في القصة والرواية، وهو ولع انتقل إلى كتابة المقالات والشهادات الإبداعية، حيث يصادف القارئ الأسلوب ذاته في الكتابة، وهو ما يعيد التذكير بعناية الشاعر والروائي سليم بركات في اجتراح لغته العربية "الخاصة" وشبه التراثية، وهو ذو الأصل الكردي. مع فارق أن فركوح احتفظ بمخزونه في الانتماء للمكان وهويته واحتكم إليه، ولم ينشغل بجذور "قديمة"، خلافا لبركات الذي عاش، على أي حال، ظروفا مختلفة.

على أنه يروق لإلياس فركوح الذي غادر عالمنا، الأربعاء 15 يوليو/ تموز الجاري، أن يصف نفسه بأنه عمّاني، نسبة إلى العاصمة عمّان التي ولد فيها في العام 1948 لأسرة نشطت في عالم العقارات. وقد حمل كتابه القصصي الثاني عنوان "طيور عمّان تحلّق منخفضة" (1981)، وقد أقامت أسرته في الأربعينات والخمسينات في قلب المدينة القديم، وكان الموقع هادئا بغير اكتظاظ سكاني، أو اختناق في حركة سير المركبات. ونادرا ما ينسب أحدٌ من الأردنيين نفسه إلى عمّان، حتى لو رأى جدّه وأبوه النور فيها، ثم هو من بعدهما، فأبناء العاصمة وسكانها يُنسبون إلى أماكن الأجداد الأولى أو إلى جذورهم القبلية. في العقدين الأخيرين، ومع دردشة معه، تساءل مرة: أين هي عمّان؟ هناك أكثر من عمّان واحدة، هناك عمّانات، وليس كما كان عليه الحال في الماضي، أيام كانت المدينة أكثر تجانساً، ولم تكن مترامية الأطراف (يبلغ عدد سكانها حاليا بين أربعة ملايين ونصف المليون، وخمسة ملايين نسمة من جملة عدد سكان الأردن البالغ عشرة ملايين نسمة)، وكان لها مركز واحد هو وسط البلد. أما الآن، منذ بداية الألفية الثالثة على الأقل، فلكل منطقة مركز تجاري وحضري خاص بها. هكذا تعدّدت المراكز والأطراف، وتعدّدت عمّان.

يخسر الأردن أحد أبرز رموز التنوير والحداثة الثقافية فيه، على مدى نحو أربعة عقود متصلة

ومنذ أواخر السبعينات، ومع صدور كتابه القصصي الأول "الصفعة"، الصادر في بغداد عام 1978، نشط إلياس فركوح في الصحافة الثقافية وكانت آنذاك ما زالت في بواكيرها، ثم في العمل الثقافي الجماعي من خلال رابطة الكتاب الأردنيين التي تأسست في 1974. وكان محسوبا على القوميين (حزب البعث) آنذاك، على أن نشاطه الثقافي، أو معارضته ذات الطابع الثقافي، غلبت على ميوله السياسية والحزبية. وأن يكون فركوح على صلةٍ بحركةٍ قوميةٍ عربيةٍ تستلهم التاريخ العربي، إلى جانب مصادر أخرى، وتُعْنى باللغة العربية باعتبارها حاملة للثقافة، فذلك يومئ إلى صيرورة فركوح وتحولاته المنقطعة عن أصوله غير العربية، وذلك بحكم تعاقب أجيال من الأجداد في المستقرّ الأردني والفضاء العربي، وبالذات فضاء بلاد الشام.

وفي أواسط الثمانينات توالت إصدارات فركوح وازداد حضوره الثقافي، وقد بدا أن خياراته تتجه إلى التفرغ للكتابة لا إلى العمل الوظيفي بما في ذلك الصحافة، فرغم حضوره الإعلامي وعلاقاته الواسعة مع الجسم الإعلامي، فإنه لم يجنح إلى الانخراط في العمل الصحافي أو الكتابة الصحافية المنتظمة، وفي ذلك يصف نفسه في حوار له مع "العربي الجديد" (26 إبريل/ نيسان 2016): "لستُ كاتبا محترفا، ولا أريد"، علماً أنه أمضى سواد حياته في الكتابة، وخاض في الترجمة الأدبية عن الإنكليزية، ما جعله بحقّ أقرب إلى فاعلٍ يحمل سمات وتكوين كائن ثقافي، متمتعاً بالحيوية والدينامية في هذا المجال. وهو ما دفعه في تلك المرحلة إلى الانضمام للشاعر طاهر رياض الذي كان قد أسس دار نشر باسم "منارات"، حيث عملا جنبا إلى جنب في الدار. وكانت دور النشر المهتمة بالابداع والنقد الأدبي قليلة. وفي تلك الآونة تعاون فركوح، مع الناقد فخري صالح، في إصدار وتحرير مجلة "المهد"، مطبوعة أدبية متخصصة معنية بالاتجاهات الحديثة في الإبداع والنقد، وبإشراف من الناقد والأكاديمي كمال أبو ديب، وهي ثاني مجلة من نوعها في الأردن بعد "الأفق الجديد" الرائدة. صدرت أعداد قليلة من "المهد" الفصلية، بعد أن تم استنزاف رأس المال المرصود من مالكها ومديرها الشاعر الشعبي سليمان عويس. وقد أغلقت دار "منارات"، ولم تلبث مجلة "المهد" أن توقفت بعد صدور سبعة أعداد منها، وقد أصدر صاحبها عويس العدد الأخير، وعهد إلى الشاعر والناقد عبدالله رضوان بتحريره. وقد اكتشف فركوح، في أثناء عمله في الدار والمجلة، وعلى الرغم من الخسائر المالية للمشروعين، أن الصناعة الثقافية، وبالذات صناعة النشر، هي خياره الملائم، وذلك في ضوء الإحباطات من الحياة السياسية العربية، وبالذات لدى نظامي البعث في العراق وسورية وعقب الغزو الإسرائيلي للبنان صيف 1982، بما لا يُبقي مجالا بالنسبة إليه سوى لتكريس جملة حياته وجُماع جهده للنشاط الثقافي.

كان لأصول فركوح غير العربية دور في كَلَفه الفائق بالأسلوبية والقاموس المستحدث، وولعه بالصياغة المتأنقة لسروده في القصة والرواية

هكذا مع بداية التسعينات، ومستفيدا من تجربته القصيرة، ولكن الثرية في "منارات"، فقد عمد بصورة منفردة إلى إنشاء دار أزمنة، مستلهما اسم مجلة "الأزمنة الحديثة" التي كان يصدرها جان بول سارتر، فيما الدار الأولى استلهمت عنوان قصيدة للشاعر سان جون بيرس. وبفعل حضوره الثقافي، وعلاقاته الواسعة بالأدباء الأردنيين والعرب، سرعان ما نجحت "أزمنة"، وأثبتت حضورها بين دور النشر العربية، لا المحلية فحسب. وكان مما يُحسب للدار أنها أطلقت مجموعة من الكاتبات الشابات، منهن جميلة عمايرة وجواهر الرفايعة وأميمة الناصر وسواهن. وقد نجح فركوح، في خطة النشر التي تقوم على إصدار الكتب التي يرغب هو شخصيا، باعتباره أديباً وقارئاً، بقراءاتها. وزاوج بين النشر لأدباء أردنيين وعرب، ثم بين الأعمال الموضوعة والمترجمة، وبين النصوص الإبداعية وكتب الدراسات والنقد. مع عنايةٍ شخصيةٍ منه بالهوية الفنية لإصدار الكتب، ابتداء من الغلافين، الأول والأخير، حيث كان يتولى شخصياً تنسيقهما. وقد أدّت الأزمة الناجمة عن تفشي وباء كورونا وإغلاق القطاعات الاقتصادية وتوقف معارض دور النشر إلى أن يقرّر الناشر والأديب فركوح إعادة النظر في وضع الدار، وكان يتجه إلى النشر الإلكتروني خياراً أول، إضافة إلى خيارات أخرى ظلت مكتومة لديه، وقد انعكس ذلك سلباً على وضعه النفسي والصحي (متاعب في القلب)..

بالرحيل الصادم لإلياس فركوح، يخسر الأردن أحد أبرز رموز التنوير والحداثة الثقافية فيه، على مدى نحو أربعة عقود متصلة، وقد ترك بصمات واضحة تشهد عليها مؤلفاته وترجماته، وإصدارات دار النشر خاصته.