إلياس بُقْطر: حكاية قاموس على حوافّ الاستعمار

إلياس بُقْطر: حكاية قاموس على حوافّ الاستعمار

20 اغسطس 2020
نابليون أثناء غزو مصر، 1798 (Getty)
+ الخط -

لا يدري أحدٌ كيف تمكّن إلياس بُقْطر (1784 - 1821)، الشابّ المِصريّ القِبطيّ، من الوصول إلى مَصافّ الجيش الفرنسيّ والتدرّج في سلّم الوظائف، مُترجماً ومساعداً، إبّان حملة نابليون على مصر، بين سنتي 1798 و1801. فقد وُلِد في مدينة أسيوط، حيث عاش أحدُ أكبر اللغويين العرب جلال الدين السّيوطي، بقرية منقباد. ثم التَحق بالجيش الفرنسيّ وله من العمر سبعةَ عشرَ ربيعاً. وبعد أربع سنوات، حين أناف على العشرين، سافر إلى مرسيليا حيث درَسَ الفرنسيَّة بشكل معمّق، أكمل به ما تلقّاه من الدروس الأولى في مصر، ربّما في دَيْر. وكان يتّسم، بحسب خطابٍ تأبينيٍّ كتَبَه عنه أحد معاصريه، بالجِدّ الشديد والمثابرة، حيث اطّلَعَ على كتب النحاة والفلاسفة والمؤرّخين الفرنسيّين بلغتها الأصليّة.

كان الشابّ إلياس من النّباهة بحيث كافأه وزير الحرب الفرنسي بتأشيرة عبور إلى مدينة الأنوار، باريس، واستقرّ فيها ابتداءً من يونيو/ حزيران سنة 1812، للاشتِغال في ميدان التّرجمة؛ حيث طُلِب منه أن يفكَّ شفرة الوثائق المخزونة في "مستودع الحرب" وأن يُترجِمها. وبعد أعوامٍ، انتُدِبَ مُدَرِّساً في أفخم جامعة اللغات آنذاك، الواقعة في قلب باريس، "مَعهد اللغات الشرقية"؛ حيث عُيّنَ مُعيدًا لتدريس اللهجة المصريَّة، يساعد الطلبة الفرنسيّين الذين سيعملون في القنصليات الفرنسيّة في الولايات العربية للسَّلطَنَة العثمانيّة.

أنجز بُقْطر أوّل قاموس فرنسي-عربي على الإطلاق

وكان، طوال تلك الفترة، يعمل على قاموس مزدوج، وهو نتاج عشر سنوات من التأمّل في معاني المفردات ومقابلاتها، وهو أوّل قاموس فرنسي-عربي على الإطلاق، ولكنّه لم يَطبَعه في حياته، لأنَّ يدَ المنون اختطفتْه يانعاً يوم 26 أيلول/ سبتمبر 1921، ولمَّا يتجاوز السابعة والثلاثين من عُمره، على إثر إصابته بمَرَض الكبد، وبعد أن دَرَّسَ سداسيّاً واحداً في المعهد. وقد حافظت أرملتُهُ عَلى مكتبته التي كانت تضمّ مُصنَّفاته مثل: رسالة "المختصر في الصرف" لتعليم الطلبة المبتدئين مبادئ تصريف الأفعال في العربية، وهذا المُعجمَ المزدَوَج يتألّف من 800 صفحة، ذات عمودَيْن، وقد طالب الأساتذةُ الدولةَ الفرنسية (المَلكيَّة آنذاك) بوضع اليد عليه واقتنائه من زوجته ثم إخضاعه للجنة الطباعة. وبالفعل، اشتراه أحد أثرياء باريس ومثقّفيها المركيز آميدي دي كليرمون-تونار، الذي كان حريصاً على ألاّ يضيعَ هذا الكنز. وحسنًا فَعَلَ.

وتولّى زميلُه الفرنسي أرمان بيسر كوسا دي برسفال (1788-1877) كرسيَّ إلياس بقطر من بَعده، فأشرف على طبع القاموس وإصداره في مجلَّديْن حيث أتَمَّه سَنَة 1828. ولا بدّ من التأكيد أنّ زميلَه هذا أضاف إلى المعجم الأصلي بعض العبارات العاميّة والمداخل، ولا سيّما الشامية، التي جَمعها خلال إقامته في الشام، إلى جانب كلماتٍ أخرى ذَكرتها القواميس الإيطالية-العربية والإسبانية-العربية، وذلك بإيعاز من الماركيز آميدي نفسه.

الصورة
قاموس إلياس بقطر - القسم الثقافي

 

وقد بنى إلياس بُقطر هذا القاموس على مبدأ شمول الألفاظ الفصيحة والعاميّة في ذات الآن، ربما رغبةً منه في تجميع المفردات المستخدمة فعلاً في بداية القرن التاسع عشرَ، وليس العربية المُفتَرَضَة، المخبوءة في بطون المعاجم القديمة. كما ضمَّ القاموس العبارات الجاهزة والصيغ المستعملة في المناسبات، حتى يكون أداةً للتواصل ومادّة يستعين بها الطلّاب على التحدّث والفهم، فهذا ما كان يَهمّهم آنذاكَ، ضمن نقد خفيٍّ للفصحى المتقادمة واعتبارها، تقريباً، لغةً ميّتَةً.

ومن اللافت أنه اضطرَّ، ضمن هذا الاجتِهاد التوليديّ، إلى اقتراح جملٍ كاملةٍ كترجمةٍ للمُفردات الفرنسية التي ليس لها مقابل دقيق باللغة العربية، وذلك في مسعىً منه إلى تجنّب الخانات الصّفر والفراغ المُصطَلَحي.

كذلك قامَ بأول عمليّة توليد وانتقاء في تاريخ الضاد المعاصر، عبر حَذف ما اعتبرَه مفرداتٍ شعريَّة تعود إلى العصر الجاهلي وتعكس البنْيَة البدويّة والقبلية، وقرَّر ألّا يكون لكلماته من وجودٍ في مُعجَمه المعاصر، ولا سيما أنه موَجَّهٌ إلى القَناصل والتجّار والمُغامرين. كذلك هو موجّهٌ إلى المُتَرجمين العاملين في القطاعات الحربية - وهذا ميْدانُه الرئيس - أو في قطاع التجارة حيث صارت الأداة الرأسماليّة الأولى التي يستَخدمها الاستعمار في مراحلِهِ التمهيديّة، متقنّعاً بالتبادل الاقتصادي ونقل السّلع.     

التمس أساتذة "معهد اللغات الشرقية" من الإمبراطور تمويله

ومن الضروريّ التذكير هنا بحدثٍ ثقافيّ نادر في تاريخ المعاجم، هو توجيه أساتذة "معهد اللغات الشرقية"، قسم التاريخ والأدب القديم، يوم 20 كانون الثاني/ يناير 1806، تقريراً مفصّلاً إلى إمبراطور فرنسا يَلتمسون منه تمويل "قاموس فرنسي-عربي" لاستخدامه في الأبحاث العلميّة (الاستشراقية) التي بدأت تزدهر منذ حملة نابليون. وبقيت الحاجة ماسةً حتى ملأها إلياس بُقطر بعمله هذا، الذي ضاع في غيابات الخزائن، رغم أهميته.

وكان من بين مصادِره التي اعتمدها وقلّدَ مَنهَجها في تحرير المداخل واختيارها معجم جورج ولهام فرياتغ (1788 - 1861) بعنوان Lexicon arabico-latinum (المعجم العربي اللاتيني)، الصّادر في أربعة أجزاء بدْءاً من 1830. واتَّبَع منهجَ الأكاديمية الفرنسية في تأليف معاجمها، واعتمد الاختصارَ والترتيب وطريقة التصنيف والتعريف وإيراد شاهدٍ مختارٍ لكل معنىً... الأمر الذي جلَب له احترامَ مُعاصريه، حتى قال أحد مَن أبَّنوه: "مَن كان يَظنُّ قبل خمسٍ وعشرين سنة (1798)، قبل حملة نابليون، أنَّ رجلاً من أسيوط، سيقدّم دروساً على ضفاف نهر السين، في أثينا الحديثة؟ بين أكبر الأساتذة، وأنَّ نصفَ "بربريٍّ مُتَوَحش"، وبفضل العمل والنباهة، سيتمكن من التعمق في النحو العام ومن تأليف عمل أكاديمي؟".

تُخبرنا وثيقة التأبين النادرة هذه أنَّ الرجل اقتنى وجمع العديد من المخطوطات العربيّة والتركيّة والفارسية والقبطيّة ثم خصّص لها كتالوغاً، وهي الثروة الوحيدة التي تَركها لأرملته، كما تضمّن عشرات المخطوطات النادرة في النحو والدين والتاريخ والشعر بسائر اللغات الشرقيّة. وهو ما عثرنا عليه ضمن مُذكّرة بأرشيف المكتبة الوطنيّة بباريس، حول كتب إلياس بُقطر والمخطوطات التي ضمّتها مكتبته، كتبها المسؤول عن المزاد العلني الذي نُظّم يوم 7 كانون الثاني/ يناير 1822، بُعيد سنة من وفاته، وقمنا نحن بتَرجمتها.

كانت بداية مسيرة إلياس بُقطر ربّما ضَرباً من الخيانة أو السذاجة، في خدمة رِكاب الفرنسيين الذين غَزوا مِصر، ولعلّه اغترّ بخطابهم عن الثقافة والعلوم وتحضِير الشعب المصري، ولا سيما أنه يشاركهم الديانة نفسها، فأعان جنودَهم بالترجمة. ولكنه بمجرد انقضاء الحملة وانتقاله إلى فرنسا، ظهرَ مَعدنه العلمي النفيس، فاعتَكَف على أول عَملٍ معجميّ، يقوم به عربيّ، فسدَّ بذلك ثغرةً حقيقية في تاريخ القواميس المزدوجة. ولعلّه، إن لَم تعجَله المنيّة، يكون أسدى للضاد أعمالاً أخرى. 

وإنني لأشعر بقرابة فكريّة من هذا الرجل الذي اشتغلتُ في ذات مَنصبه، بعد ما يقارب القرنَ من الزمن، معيداً للعربية في معهد اللغات الشرقية، من 2004 إلى 2010، كذلك فإنني اهتممتُ بمشاغله المعجمية نفسها. على أنّني لم ألحظ أيّ تغيير جذريّ في مقاربة تدريس العربية، التي لا يزال يعتبرها بعض غير الناطقين بها أداةً ناعمة لشيءٍ من التواصل وكثير من الهيمنة.


* أستاذ جامعي تونسي مقيم في فرنسا

موقف
التحديثات الحية

المساهمون