إقالة مثيرة لرئيس الحكومة الجزائرية وعودة رابعة لأويحيى

إقالة مثيرة لرئيس الحكومة الجزائرية وعودة رابعة لأويحيى

15 اغسطس 2017
الصورة
تبون لم يمكث بمنصبه سوى شهرين (رياض قرامدي/فرانس برس)
+ الخط -
كان متوقعاً أن ينتهى الجدل السياسي الحاد والمثير بين الرئاسة الجزائرية ورئيس الحكومة، عبد المجيد تبون، بإعلان إقالة الأخير وتعيين رئيس الديوان الرئاسي، أحمد أويحيى، خلفاً له، غير أن السرعة التي تطوّرت بها الأمور كانت أكثر إثارة، وبشكل غير مسبوق، خاصة أن تبون لم يمكث في منصبه سوى شهرين.

وأفاد بيان للرئاسة الجزائرية أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة استعمل، اليوم الثلاثاء، صلاحياته الدستورية وقرر إقالة تبون، من دون الإشارة إلى أية أسباب أو خلفيات تتعلق بذلك، مؤكداً تعيين رئيس الديوان الرئاسي والأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الثاني للسلطة)، أحمد أويحيى خلفاً له، والذي يعود بذلك إلى المنصب نفسه للمرة الرابعة في مساره السياسي منذ عام 1995، والثالثة في عهد حكم الرئيس بوتفلقية منذ عام 1999.

وذكرت الرئاسة أنها استشارت في هذا التعيين حزب "جبهة التحرير الوطني" باعتباره يحوز على الأغلبية في البرلمان والحكومة، وفقاً لما ينص عليه الدستور، لكن هذه الاستشارة تظل محل تشكيك سياسي وإعلامي، خاصة أن رئيس الجبهة، جمال ولد عباس، كان قد أعلن، قبل يومين، دعمه لحكومة تبون، ولم يبد أي قلق من الانتقادات الرئاسية الموجهة إليها، ولم يعط أي مؤشر على إمكانية حدوث تغيير حكومي قريب.


ولا تتعلق خلفيات إقالة تبون وأسبابها الرئيسية بمشكلات خلقها داخل المشهد السياسي والاقتصادي، بفعل خلافاته وحملته ضد رجال المال والأعمال، لكنها تتعلق بلقاء اعتبرته الرئاسة الجزائرية "خطيئة سياسية لا تغتفر" بين رئيس الحكومة الجزائرية ورئيس الحكومة الفرنسية، إدوارد فيليب، عندما توقف في باريس متوجهاً إلى إجازته في مولدافيا، من دون أن يستشير الرئاسة الجزائرية ويبلغها باللقاء في حينه.

ويعرف عن الرئيس بوتفليقة حساسيته اتجاه مثل هذا السلوك السياسي، خاصة مع طرف أجنبي كفرنسا، وهو اللقاء الذي رفض التلفزيون الحكومي تناوله في نشرة الأخبار الرئيسية، وامتنعت الصحف الرسمية عن نشره في صفحاتها.

عدا ذلك، كان واضحاً أن الرئاسة الجزائرية، والتي يلعب فيها سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، الدور البارز في ظل مرض الأخير، منذ أبريل/ نيسان 2013، تتجه للبحث عن رئيس حكومة بديل لتبون، بعد المذكرة الرئاسية الحادة التي وجهتها الرئاسة إلى رئيس الحكومة، إذ اتهمته فيها بـ"التحرش برجال الأعمال والمستثمرين والتشهير بهم، واتخاذ قرارات عشوائية، ودعوته إلى الاحتكام إلى القانون، والعودة إلى الرئاسة في القرارات الكبرى التي تخصّ الخيارات الاقتصادية الهامة"، وذلك على خلفية حملة أطلقها تبون منذ مصادقة البرلمان على خطة حكومته تتعلق بما وصفه "الفصل بين المال والسياسة"، ومحاربة المال السياسي، بهدف تقليص تأثير ونفوذ رجال الأعمال في المشهد السياسي والاقتصادي.

كذلك أوفد رئيس الحكومة لجان تحقيق إلى مصانع تركيب للسيارات يملكها رجال أعمال قالت الحكومة إنها لا تحترم الشروط القانونية، وتمارس الاحتيال، فضلاً عن سلسلة قرارات إعذارات وتهديد بسحب مشاريع بنى تحتية كانت تقوم بتنفيذها شركات مملوكة لرجال أعمال، أبرزهم علي حداد، صديق شقيق الرئيس بوتفليقة، والممول الأبرز للحملة الرئاسية في انتخابات عام 2014، والذي طرد من نشاط حكومي، وكذلك قرار وقف استيراد سلع ومواد منتجة محلياً.

ووضعت هذه القرارات تبون، على الرغم من كونه أحد رجالات الرئيس بوتفليقة منذ سنوات، في مواجهة مفتوحة مع الكارتل المالي، والذي دفع صحفاً وقنوات مقربة من الرئاسة ودوائر النفوذ لملاحقته، ما أعطى الانطباع بأن هناك صراع قوى ونفوذ في أعلى هرم السلطة، لكنه فتح مجددا النقاش بشأن الجهة التي تدير الحكم بشكل فعلي، وعما إذا كان شقيق الرئيس بوتفليقة، المقرب من دوائر المال والأعمال، يستغلّ مرض شقيقه لتمرير القرارات.

وبقدر ما كانت النهاية السياسية لتبون مثيرة، على الرغم من قربه من الرئيس بوتفليقة، أعادت للأذهان النهاية نفسها التي عرفها رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام السابق لـ"جبهة التحرير الوطني، عبد العزيز بلخادم، وهو أحد أبرز المقربين من الرئيس قبل عام 2014، وذلك بعد لقائه عدداً من الشخصيات المعارضة التي كانت تطالب بإعلان شغور منصب الرئاسة إثر مرض بوتفليقة، ما كلفه الإبعاد السياسي وإصدار الرئيس بياناً يعلن فيه منع بلخادم من تولي أية مناصب أو وظائف أو مسؤوليات في الدولة والحكومة.

ويتطلب تعيين رئيس حكومة جديد العودة إلى البرلمان لتقديم خطة حكومية جديدة تحت رئاسة أحمد أويحيى، في ظل أزمات سياسية متلاحقة، واختناق اقتصادي ومالي، بسبب تراجع عائدات النفط، فضلا عن أنها تأتي في سياق رهانات تتعلق بترتيبات الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2019، تسبقها انتخابات محلية نهاية السنة الجارية، وسط غموض الموقف بشأن ما إذا كان بوتفليقة سيترشح لولاية جديدة، أم أنه بصدد البحث عن خليفة لميراثه السياسي.






المساهمون