إسرائيل وداعش وهجمات باريس

15 ديسمبر 2015
الصورة
+ الخط -
إبّان انشغال العالم أجمع بضحايا الهجمات الإرهابية في باريس وبيروت وسيناء وأماكن أخرى، كانت إسرائيل مشغولة ومُسْتهلَكة بأمور أخرى: كيف تجني ريع هذه الهجمات، وتستخدمها لمصالحها على المستويات: العالمي والإقليمي والمحلي؟ تعرف إسرائيل تماماً، وهي ممارسة ضروس للإرهاب منذ إنشائها، كيف تستفيد من أوجاع الآخرين، وتستحدث منها فرصاً اقتصادية وسياسية على المستويات الثلاثة.
عالمياً، استخدمت إسرائيل الهجمات في باريس، خصوصاً، من أجل إبراز وإظهار بل واستعراض "قدرتها الاستخباراتية وذكائها"، فقد ادّعت مخابراتها تزويدها الدولة المعنية بمعلومات استخباراتية مهمة ودقيقة عن الهجمات المحتملة. وكان هذا "الاستعلاء الاستخباراتي" محط احتفاء الصحف اليومية الإسرائيلية اليمينية واليسارية. والقضية، هنا، أن هذه القضية ليست أمنية أو استخباراتية وحسب، وإنما، بالدرجة الأولى، "قضية تسويق"، (تشبه تسويق الشركات لعلاماتها التجارية) من أجل وضع إسرائيل في موقع أكثر تقدماً وقوة في قائمة الدول المحاربة للإرهاب على المستوى العالمي، في عالم تسوده المعايير المقلوبة، فلا عجب في طرح هذه المحاججة.
الاستماتة في الدفاع عن "القضية التسويقية" هذه، وادّعاء دول عربية إرسال معلومات استخباراتية إلى فرنسا، سمحت لمراسل من صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن يكتب أن "الغرب لا يثق بالمعلومات الاستخباراتية العربية، فهم يشكون بارتباطات الأنظمة العربية بالمجموعات الإرهابية". وهذا مثال واحد من أمثلة عديدة للإشارة إلى أهمية "الاستعلاء الاستخباراتي" لإسرائيل، واستخدامه لترويجها عالمياً.
أضف إلى ذلك أن إسرائيل، وهي رابع مصدّر للأسلحة دولياً، وأكبر مصدّر للأسلحة عالميا مقارنة بعدد سكانها، استخدمت هذه الهجمات من أجل ترويج إضافي لصناعتها العسكرية والافتخار بها، وبأنظمة التحكم التي تمارسها وتصنعها. ويتم تجريب هذه الأسلحة وتقنيات التحكم والرقابة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في أثناء تطويرها وقبل تصديرها. وتمر هذه التجارب التي تقوم بها إسرائيل من دون عقاب أو محاسبة، بل بصمت الحكومات المختلفة في الشمال والجنوب وتواطؤها.

وبالتالي، تود إسرائيل مشاركة العالم برسالة واحدة، مفادها أن هذا العالم يحتاج إلى المزيد من الأسلحة من أجل محاربة الإرهاب. ولكن، في حقيقة الأمر، يحتاج هذا العالم إلى أسلحة أقل، ليصبح عالماً أكثر سلماً وأماناً، وليس العكس. فالمنطق يقول إنه كلما كثرت الأسلحة بين أيدي البشر ازدادت احتمالات اندلاع أعمال العنف والحروب واستخدام هذه الأسلحة لعنونة المشكلات السياسية التي يختلقها البشر أنفسهم.
على المستوى الإقليمي، ستستخدم إسرائيل هجمات باريس، من أجل لوم الإدارة الإقليمية على اتفاقها وتسويتها مع إيران، في ما يخص الملف النووي. ولكن، على قدر أكبر من الأهمية، تلعب إسرائيل دورين متوازيين في الحسابات الإقليمية؛ إذ إنها "الضحية" المحتملة "للإرهاب" الإيراني من جهة، لكنها، في الوقت نفسه، العنصر القوي والفاعل والجاهز لمواجهة الإرهاب الإقليمي. وفي منطقة تتصف بالتغيرات والتقلبات السريعة وغير المتوقعة، تجيد إسرائيل التنقل بأريحية بين الدورين. ومثالاً، طلبت إسرائيل من الإدارة الأميركية مزيداً من الأسلحة والدعم العسكري من أجل "الدفاع عن نفسها" ضحية أو ضحية محتملة "للإرهاب". وفي الوقت نفسه، عرض رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، على الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، المساعدة والتنسيق في ما يخص سورية، وتم الاتفاق على جملة من الترتيبات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية بهذا الخصوص. وبالتالي، تلعب إسرائيل، هنا، دور المدافع والمهاجم في "الحرب ضد الإرهاب". والتناقض والتوتر هنا واضحان، فلا يعقل أن يكون كيان ما ضحية للإرهاب، وفي الوقت نفسه، محارباً شرساً إقليمياً ودولياً لهذا الإرهاب، لكن هذا التناقض الصارخ يصل إلى حد السخرية المفرطة، عندما يكون هذا الكيان ممارساً للإرهاب منذ ما قبل تأسيسه ضد الفلسطينيين القابعين تحت استعماره واحتلاله العسكري وإرهابه.
محلياً، استخدمت إسرائيل هجمات باريس، من أجل الاستمرار في الانقضاض على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وغزة وفلسطين كلها، خصوصاً على أصحاب التوجهات الإسلامية، فقد أقدمت على تجريم الحركة الإسلامية-الفرع الشمالي؛ ومثلت هجمات باريس اللحظة المواتية لإسرائيل لتنفيذ سياساتها "مسح العدو عن الوجود". وأعلن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت)، مستخدماً هجمات باريس ذريعة، عن اعتقال سبعة مواطنين من قرية فلسطينية في الشمال المحتل، كانوا يخططون للانضمام إلى داعش في سورية. وصرح قيادي في حزب الليكود لمجلة مونيتر الإلكترونية بأن هجمات باريس شكّلت الغطاء المناسب لتجريم الحركة الاسلامية؛ وقال "كانت اللحظة المناسبة والصحيحة، فالعالم أجمع منشغل بالهجمات الإرهابية، ولا أحد يركّز علينا الآن". ويشير هذا الإدراك إلى أهمية "اللحظة الباريسية" إلى النهج والنظام الدموي والتجريمي الذي تقوم عليه إسرائيل. فبلمح البصر، أقدمت إسرائيل على تجريم جسم سياسي-اقتصادي-اجتماعي، 17 مؤسسة خيرية تابعة له، باستخدام قانون طوارئ عسكري سنّه الإنجليز، إبّان استعمارهم فلسطين. ويهدف هذا الاستخدام الإسرائيلي المعتاد والدوري للقوانين الطارئة والأوامر العسكرية إلى تهديد وجود الكل الفلسطيني على أرضه التاريخية، ويشكل إحدى الأدوات لزيادة السيطرة على الفلسطينيين وإدامة الاحتلال العسكري والظرف الاستعماري.
وعلى الرغم من اعتراض رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، يورام كوهين، على قرار تجريم الحركة الإسلامية، فضّلت الحكومة الإسرائيلية البُعد الدولي على البُعد المحلي، بمعنى أنها استخدمت ظرفاً عالمياً من أجل الفعل المحلي. ربما سرعان ما تندم على هذا القرار، إذ إنه قد يزيد شعبية الحركة الإسلامية، ويحوّل عملها إلى عمل "تحت الأرض"، وبمستوى أعلى من الراديكالية. فالممنوع يصبح مرغوباً أكثر. ولكن، يبدو أن إسرائيل فشلت، مرة أخرى، بالتعلم من الدروس العديدة على مدار العقود الماضية، أو أنها تستمتع بحلقات العنف والصراع المفرغة وتحتفي بها.
وبغض النظر عن موقف المرء تجاه الحركة الإسلامية في إسرائيل ومبادئها وأيديولوجيتها (يمكن الاختلاف معها جملة وتفصيلا، وخصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الداخلية الفلسطينية وحقوق ودور المرأة ودور الدين في الحياة اليومية)، فإن استخدام "اللحظة الباريسية" للاعتداء عليها وتجريمها هو اعتداء على قطاع واسع من أبناء الشعب الفلسطيني، وبالتالي، هو اعتداء على الوجود الفلسطيني. ويشارك في هذا التوجه الجُل الأعظم من القيادات والأحزاب الفلسطينية والعربية في إسرائيل.