إرنستو كاردينال.. كاهن خارج الكنيسة

04 ابريل 2019
الصورة
(كاردينال، تصوير: إينتي أوكون)
عام 1983، جالت صورة الشاعر النيكاراغوي إرنستو كاردينال (1925) العالم، وهو يجثو على قدميه ويهمُّ بتقبيل خاتم البابا يوحنا بولس الثاني. كادت أن تكون صورة طبيعية لولا أن البابا البولندي أبدى إشارات بيديه تحمل توبيخاً للشاعر القس الذي طُرد من حاضنة الفاتيكان لخمسة وثلاثين عاماً، قبل أن يرفع البابا فرانشيسكو العقوبات الكنسية عنه في شباط/ فبراير الماضي.

تلقى كاردينال خبر العفو هذا في المستشفى الذي كان يرقد فيه بالعاصمة النيكاراغوية مناغوا، وهو في الرابعة والتسعين من عمره، وكان قد توقف عن إقامة أية نشاطات كنسية امتثالاً لقرار الكنيسة، وتوقف أيضاً عن السياسة بعد اختلافه العميق مع الرئيس الحالي دانييل أورتيغا.

عُرف كاردينال بإخلاصه للقضايا التي تبناها واستطاع كسب احترام شعبه والعالم، فرغم توقيفه ككاهن من قبل الفاتيكان، إلا أنه عُرف بين ثوار الساندينيستا بـ"الأب" كاردينال، وظل هكذا بين الناس بعد انتصار الثورة الساندينية عام 1979، وتولّيه وزارة الثقافة لثمانية أعوام.

تبنى كاردينال اتجاه لاهوتية التحرير، وهو الاتجاه الذي انتشر في أميركا اللاتينية في ستينيات القرن الماضي، لكن البابا يوحنا بولس الثاني لم يتقبّل هذا الاتجاه واعتبره ابتعاداً عن العقيدة الكاثوليكية وتقرّباً من الأفكار الماركسية، وكان قد خيّر كاردينال بين أن يكون قسّاً فقط أو أن ينخرط في الحياة السياسية، مانعاً إياه من مزاولة الأمرين في آن، إذ اقتضى التشريع الكنسي حينها ألا ينتمي القس لأي حزب أو يمارس وظائف حكومية.

ومع أن كاردينال التزم بأمر البابا، لكنه اعتبر موقفه "إهانة على الملأ" وأبدى لامبالاة بعدها برأي الفاتيكان في ما يفعل. القرار الأخير يؤكد ما قاله كاردينال عن البابا الحالي فرانشيسكو بأنه يُحدث ثورة في الفاتيكان وأنه معجزة الفاتيكان، مبدياً سعادته بالقرار.

درس كاردينال الأدب والفلسفة، وكرّس كتاباته للشعر حتى أصبح واحداً من أهم شعراء أميركا اللاتينية. من اللافت ما قاله في أحد الحوارات عن علاقة الناس بالشعر في نيكاراغوا وهو الذي عقد الكثير من الورشات لكتابة الشعر وأسّس المؤسسة الثقافية "بيت العوالم الثلاث" في مدينة غرناطة، إذ أكد أنهم يحبّون الشعر لكنهم يكتبون شعراً رديئاً لبعدهم عن مدارس الشعر الحديث، فكاردينال -ومع تقدمه في العمر- ظلّ متمرداً على قوالب الشعر المحافظ كما تمرّد سابقاً على شكل القس المحافظ والثائر المحافظ.

فحين أدرك أن الثورة التي كافح لأجلها أصبحت في قبضة شخص الرئيس دانييل أورتيغا وزوجته روساريو موريو، رفاق الثورة السابقين، أعلن رفضه لمآلها وصرّح بأنهما (الرئيس وزوجته) خانا مبادئ الثورة الساندينية، بل إنه وفي مرضه الأخير، أعرب عن وقوفه مع الشباب المعارضين لأورتيغا وأن على الأخير أن يرحل فوراً.

ضغوطات كثيرة تعرّض لها القس مثل مصادرة جزء من أمواله، يقول مقربون من أورتيغا إن الرئيس نفسه لا يسعى للصدام معه بل السيدة الأولى روساريو موريو التي كانت ضمن الوسط الثقافي إبان الثورة وكتبت الشعر وعملت في صحيفة "لا برنسا"، وكانت تطمح بتولي وزارة الثقافة لكن مكانة كاردينال وثقله قطعا عليها الطريق.