إرنستو كاردينال... كاهن الثورة الساندينية وشاعر لاهوت التحرير

02 مارس 2020
الصورة
ألّف كاردينال أكثر من 30 كتاباً وديواناً (كريستيان ليفا/Getty)
+ الخط -
يُمكن اعتبار مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، بمثابة مرحلة تجديد وتطوير وولادة مختلف الأفكار السياسية والدينية والفلسفية والاجتماعية، ومن بينها "لاهوت التحرير"، الذي أرسى مفهوماً جديداً للتبشير الديني في أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، يمزج بين الإنجيل والعقائد اليسارية، الماركسية خصوصاً. أدى ذلك إلى اعتناق العديد من الكهنة هذا اللاهوت، ومنهم الكاهن، الشاعر، السياسي إرنستو كاردينال، أحد أبرز الوجوه في الثورة الساندينية في نيكاراغوا عام 1979، الذي توفي يوم الأحد الماضي عن عمر 95 عاماً. 

وأفادت معاونة كاردينال منذ أكثر من 40 عاماً، لوز مارينا أكوستا، لوكالة "فرانس برس"، بأن الرجل "رحل بسلام تام ولم يعان أبداً". وأوضحت أن الكاهن أدخل المستشفى، يوم الجمعة، وتوفي جراء إصابته بأزمة قلبية. وعلى الفور، أعلن رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا، الذي كان رفيقه في الجبهة الساندينية للتحرير الوطني خلال الثورة في نيكاراغوا، الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام، من أجل "وداع أخ"، بحسب قوله. 

وكان كاردينال، الذي رافق أورتيغا فترة طويلة قبل أن يبتعد عنه بسبب انحراف الأخير نحو الديكتاتورية، أحد أبرز وجوه ما يُمكن تسميته "نادي رجال الدين المؤثرين في بلادهم"، مثل المطران أوسكار روميرو في السلفادور، والأب بيار (هنري ماري جوزف غروي) في فرنسا، والبابا يوحنا بولس الثاني في موطنه بولندا، وأحد مؤسسي "لاهوت التحرير"، الأب غوستافو غوتييريز في البيرو، وغيرهم كثر.

وكان كاردينال قد ولد في 25 يناير/ كانون الثاني 1925 في غرانادا، قرب العاصمة ماناغوا، وفي 1965 سيم كاهناً. اعتنق "لاهوت التحرير" وشارك في الثورة الساندينية التي نجحت في عام 1979 في الإطاحة بنظام أناستاسيو سوموزا. تولى كاردينال وزارة الثقافة في أول حكومة ساندينية. لكن انتصاره للثورة في سياق اعتناقه "لاهوت التحرير"، جعله عدواً للسلطات البابوية في الفاتيكان، ففي عام 1983، زار البابا الراحل يوحنا بولس الثاني نيكاراغوا، وكان كاردينال في استقباله في المطار، إلا أن البابا قام بنهره علناً، ورفض أن يباركه، طالباً منه أن "يتصالح مع كنيسته أولاً". لم يلبِ كاردينال رغبات البابا، وظلّ وزيراً للثقافة، ما دفع الفاتيكان إلى منعه من ممارسة خدماته الكهنوتية في 30 يناير 1985. التزم كاردينال بقرار البابا طيلة 34 عاماً، ولم يقم بأي نشاط رعوي. وظلّ كاردينال خصماَ ليوحنا بولس الثاني، ثم لخلفه بينيديكتوس 16، إلا أن البابا فرنسيس قرر رفع كل العقوبات الكنسية عن كاردينال في 2 فبراير/ شباط 2019، عبر منحه البركة البابوية على يد المطران فالديمار سوميرتاغ. وعلى الأثر احتفل كاردينال بقداسه الأول منذ عام 1985. وكان السفير البابوي في ماناغوا قد زار كاردينال مراراً، بعد وصول البابا فرنسيس إلى سدّة البابوية عام 2013. مع العلم أن البعض يعتبر البابا الأرجنتيني من مؤيدي "لاهوت التحرير".


وكان كاردينال قد أطلق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بعد انتصار الثورة الساندينية، حملة لمحو الأمية وحظي في أعقابها بتنويه كبير من هيئة "يونسكو". وبفضل هذه المبادرة، تمكن أكثر من 500 ألف مواطن في نيكاراغوا من تعلّم القراءة والكتابة. ومع دخول نيكاراغوا في صراعات دامية على السلطة، واتهام الثورة بارتكاب مجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان، بدأت العلاقة بين كاردينال وأورتيغا تسوء، ثم ألغيت وزارة الثقافة في نيكاراغوا عام 1987 لأسباب اقتصادية. أعلن كاردينال معارضته الكاملة لنهج الرئيس في الحكم الذي خطى نحو الدكتاتورية، ما أثار حفيظة الأخير فضيّق عليه الخناق بتلفيق تهمة له وإجباره على الإقامة الجبرية في منزله، وبعدها فاز المعارضون عام 1990 في الانتخابات الرئاسية، واستُبعد الساندينيون من السلطة. ما أدى في عام 1994، إلى مغادرة كاردينال الجبهة الساندينية، معتبراً أن دكتاتورية أورتيغا هي "سرقة للشعب وليست ثورة". انخرط كاردينال في حركة تجديد الثورة الساندينية، التي شاركت في الانتخابات الرئاسية عام 2006، مؤيداً إدواردو مونتياليغري، بقوله "أفضّل رأسمالياً حقيقياً مثله على ثورة كاذبة".

كان شبه ناسك في جزيرة سولنتينامي في بحيرة نيكاراغوا، حيث انصرف إلى تأليف الشعر والكتب، وله 14 كتاباً، لعلّ أبرزها "الإنجيل في سولنتينامي"، و16 ديواناً شعرياً، أبرزها "أورا سيرو" (الساعة الصفر)، و"أوراسيون بور مارلين مونرو إي أوتروس بويماس" (صلاة من أجل مارلين مونرو وقصائد أخرى). وفاز بـ8 جوائز كبرى، منها الجائزة الإيبروأميركية للشعر - بابلو نيرودا عام 2009، وجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبروأميركي ـ الدورة الـ21، عام 2012. وأصبح عام 2010 عضواً في الأكاديمية المكسيكية للغة. وكاردينال، المتحدر من أصول هندية حمراء، أعاد كتابة الصلوات الهندية بلغة جديدة، وهو ما ظهر في إحدى القصائد: "لم يكن هناك اسم لسيّد ولا لإمبراطور ولا لقس ولا لزعيم حكومي أو جنرال، الدين كان الرابط الوحيد الذي يحكم بينهم، ولكنه كان ديناً مقبولاً بحرّية من الجميع ولم يكن طغمةً فوقهم".

وفي إصداره "في الأرض كما في السماء"، الذي يشتمل على قصيدة واحدة تتكوّن من متواليات شعرية، ذكرت مساعدته لوز مارينا أكوستا في حديثٍ سابق لـ"العربي الجديد"، أن القصيدة تشبه بشكل ما صلاة وترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون، بل إنها تعتبرها بمثابة قصيدة وداع لكاردينال، ما فتح الباب أمام العديد من التأويلات، خصوصاً أن الشاعر بدا في الآونة الأخيرة متعباً جداً قبل وفاته، رغم احتفاظه من الناحية الذهنية بكثير من وهجه وإشراقة أفكاره، مع تعبيره مراراً عن إحباطه من كل ما يحدث حوله في العالم وفي نيكاراغوا خصوصاً.

ففي مذكراته التي نشرت منذ فترة كما في حواراته، عبّر أكثر من مرة عن خيبة أمله، بل عن يأسه مما يحدث، وقال عن الثورة الساندينية وإسهامه في قيادتها والتحوّلات التي شهدتها: "هذا الأمر قد تسبّب لي في معاناة وآلام عميقة، لقد سميت تلك التجربة (الثورة الضائعة)، وهو عنوان الجزء الثالث من مذكراتي. ما تعيشه اليوم نيكاراغوا ليس ثورة، إنه دكتاتورية فردية لدانيال أورتيغا وزوجته وأبنائه، فدانيال ليس من اليسار، وهو ليس ساندينياً، لقد خان الثورة".
(العربي الجديد، فرانس برس)

المساهمون