إرث الديمقراطية الفارق المهول

07 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
كل أنواع الاحتجاج الشعبي وأشكاله التي لا يستخدم فيها الرصاص يُفترض أن تكون مباركة من الجميع، ولا يُتّهم أصحابها بالعمالة لآخرين، أو بالتآمر على دولهم وأنظمتهم، منها: الإضراب العام وقطع الطرق والاعتصامات في الشوارع والعصيان المدني بأشكاله كافة، إضراب الطلبة والعمال والموظفين، إضراب ربّات البيوت واعتصاماتهم في الشوارع، اختراع وسائل لإزعاج السلطات، كالقرع على الطناجر الذي استخدم كثيرا في احتجاجات الشعوب، أو الغناء والرقص في الشوارع والساحات العامة، أو نصب الخيم في الساحات ليصبح الشارع بديلا عن البيوت، تعبيرا سلميا عن ملكية الشعب البلد بكل ما فيها، أو الغرافيتي الذي يخطه الشباب والشابات على جدران المدن وأسيجتها، أو اصطحاب الأطفال إلى المظاهرات لتدريبهم على فرض احترام حقهم بالتعبير عن غضبهم، أو رفضهم ظاهرة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ما، أو استخدام وسائل التواصل الحديثة للتعبير عن الاحتجاج، أو استخدام الطرفة والنكتة وسيلةً شعبيةً جمعيةً للاحتجاج والمقاومة، أو أية طريقة أخرى من طرق الاحتجاج السلمي، التي تقوم بها الشعوب. علما أنه في دول العالم المتقدّم، يعتبر ضرب الأماكن التي ترمز إلى السيطرة السياسية أو الاقتصادية أو حرقها نوعا من الاحتجاج السلمي، ولا يُدرج ضمن الاحتجاج العنفي الذي يستدعي ردة فعلٍ أعنف. 
لا يوجد في دول العالم المتقدم من يصف كل ما سبق بالمؤامرة. ربما فعلها الرئيس الأميركي، ترامب، فقط أخيرا. لا يوجد في شعوب هذا العالم من يتجنّد ليطلق أقذع الصفات على المحتجين والمضربين والمعتصمين. لا يوجد في هذه الشعوب من يكون جاهزا لخدمة النظام، أو السلطة الحاكمة، ويتطوّع ليحل مكان جهاز الشرطة أو الأمن في قمع المحتجين والمتظاهرين. لا يوجد أيضا في هذه الشعوب من توظفه السلطة ليكون ذراعها الإلكترونية التي تستبيح سمعة المحتجين، وتشوه صورهم أمام الرأي العام المغيب. لا يوجد رأي عام مغيب أساسا لدى هذه الشعوب. هناك مواطنون يعرفون حقوقهم جيدا، مثلما يعرفون واجباتهم، هذا ما تنتجه النظم العلمانية. لا يوجد لدى تلك الشعوب صحافة وإعلام ينشر ويبث ما تريده السلطات الحاكمة وأجهزتها الاستخبارية فقط. الصحافة هناك، في أغلبها، تنشر حقائق، لا أكاذيب تهدف إلى تأليب فئاتٍ من الشعب على فئاتٍ أخرى، إذ ثمّة قوانين تحاسب من يفعل ذلك، وثمّة قضاء عادل ومستقل! ينتحر بعضهم هناك أيضا لأسباب عديدة، كما لدى شعوب العالم الثالث. ولكن لا يوجد لديهم من يسخر من انتحار هذا البعض، ويحوّل السخرية إلى "ترند" على "السوشيال ميديا"، يعرض فيه "مواطنون شرفاء ومقاومون ضد إسرائيل" ثقل دمهم وشماتتهم بالمنتحرين الذين انتحر معظمهم من سوء الأوضاع الاقتصادية التي سببها نظام طائفي مافياوي، تتحالف أركانه في الفساد والنهب ضد الشعب.
لا يوجد في دول العالم المتقدّم من يفعل ما سبق. تبدو هذه الظواهر مختصة بشعوب العالم الثالث بامتياز، وفي بلادنا العربية والإسلامية أكثر. ليس لأن شعوب العالم المتقدم أفضل منا، بل لأن تلك الشعوب تربّت على الاختلاف، على احترام الرأي الآخر المخالف، على اعتبار هذا الاختلاف هو الوضع الطبيعي في سياق الحياة، واعتبار التشابه والتطابق الاستثناء، وتربّت على أن السلطة مجرد وظيفة، والمسؤول موظف، يُحاسب على تقصيره مهما كان منصبه. وعلى فصل الوطن عن السلطة أو النظام، فالحاكم أو الرئيس أو الملك ليس هو البلد أو الوطن. من يعارض السلطة الحاكمة ليس كارها للوطن. ومن يحتج على سياسة هذه السلطة ليس خائنا ومتآمرا. هو مواطن يرى في القوانين التي تصدرها الحكومة إجحافا في حقه وظلما له، ومن حقوقه التي تكفلها له القوانين التعبير عن احتجاجه في الشوارع أو في المنتديات أو في الصحافة. هذا الفارق المهول بيننا وبينهم هو إرث الديموقراطية التي كرّستها ثورات وحروب أهلية استمرت عقودا طويلة، استهلكت ملايين الضحايا، حتى استقرّت تلك البلاد على ما هي عليه من تقدّم واحترام حقوق الإنسان، وعلمانية.
نعم، أيها السادة العرب والمسلمون، إنها العلمانية المرافقة للنظم الديمقراطية. العلمانية التي تمنع رجال الدين من التدخل في الحياة السياسية والعامة للمواطنين، التي تمنعهم من فرض التشابه بين البشر، التي تمنع السلطة الحاكمة من استخدامهم لتغييب الشعوب، والتي تمنع استخدام المعابد للتحريض ضد فئات الشعب الأخرى. العلمانية التي تخافها شعوبنا، كما لو أنها وباء، وتتجاهل أنها الحل الوحيد لإنقاذ بلادنا من الفناء.