أيّام الحجّ افراح كل موسم!

أيّام الحجّ افراح كل موسم!

04 أكتوبر 2014
الصورة
من مناسك الحج في مكة المكرمة (العربي الجديد)
+ الخط -
تتوالى وفود الحجّاج إلى مكّة المكرّمة في هذه الأيّام. يأتون من مختلف البلاد، بجنسياتهم الكثيرة ولهجاتهم المتعدّدة، لأداء فريضة الحجّ الواحدة. وبعد انتهاء المناسك، يعود الحجّاج إلى مكّة للتسوّق وشراء الهدايا. ويكون أهل مكّة قد هيّأوا أسواقهم وملأوها بالبضائع المحليّة، كالتذكارات، يحملها الحاجّ إلى بلاده كدليل على وصوله وتأديته فريضة الحجّ. ومنها ما استوردوه عبر ميناء جدة أو عبر القوافل الآتية من الشام، اليمن، مصر، وبغداد.
داخل مكة وبين مكّة والمدينة، يحجّ أهل مكّة مع الحجاج، مطوّفون وعمّال وباعة وأهل السقاء والغذاء وأصحاب وسائل المواصلات وأهل الخيام، يتحدّثون معهم بلغاتهم في أسواق مكّة وفي منى وعرفات طيلة أيّام الحجّ. وهنا تظهر صورة أهل مكّة الذين يتقنون لغات عدّة ويتلقّون ثقافات الآخرين كما يمنحونهم ثقافة المكيّين المتوارثة منذ تحوّل مدينتهم إلى مركز عالم الإسلام والمسلمين.
يتحدّث معظم أهل مكّة لغات ولهجات أجنبية وعربية، تحسّباً لزيارتهم إلى إحدى تلك البلاد، مما يمكّنهم من التحدّث بلغة أهلها ولهجتهم. كما تُظهر أيّام الحج التي تسبق عيد الأضحى وبعده، وخلال أيام العيد، ما لأهل مكّة من حسن الرفادة والوفادة والسقاية وفي أنواع خدمة الحجّاج كافّة، منذ وصولهم إلى يوم عودتهم.

خدمة الحجاج
ينشغل أهل مكة بخدمة الحجّاج في عيد الأضحى. لم يكن لهم على مرّ التاريخ المكي اهتمام كبير بمظاهر احتفالية عيد ما مثل اهتمامهم بعيد الفطر. أمّا الرجال المكيّون الذين لم يحجّوا فإنهم يصلّون في المسجد الحرام. إذ أنّ المساجد الأخرى في مكّة، التي تصلي صلاة عيد الأضحى، عددها قليل، لذلك تكون الصلاة في المسجد الحرام ثم العودة إلى البيت لتناول الإفطار. وكانت هناك عادات وتقاليد اجتماعية وأعمال مهنيّة تسبق أيام الحجّ. فتنشغل النساء في البيوت بأعمال الخياطة والتطريز والنقش والرسم على القماش لبيعها في موسم الحجّ. وتصنع بعضهنّ أطعمة خفيفة مثل الكعك والمعمول وبعض المأكولات المنزلية المجفّفة ليستعين بها المطوفوّن والعاملون في الحجّ، بديلاً أو "تصبيرة" عن الطعام، ومنهنّ من تعمل في المراوح والمكانس والقفف.

خير مقابل الخير
يستفيد أهل مكّة من الحرفيين في طقوس الحج والعيد، وعلى رأسهم الحدّادون الذين يصنعون أوتاد الخيام المنصوبة، كما كان يصنع هؤلاء (الحداوي) أي الحديد الذي يوضع في حوافر الدواب، خصوصاً الحمير التي كانت تقلّ الناس والأمتعة من وإلى المشاعر.
كما يزدهر عمل الجزّارين و بيع الغنم والبقر والإبل يوم التضحية. إضافة إلى الحلاقة، وهذه تعتبر أهم الأعمال فوجودها ضروري في صباح العيد داخل منى حلاقة رؤوس الحجّاج. كما يجهّز الزمازمة شرابهم ودوارقهم لسقي الحجاج. ويستعدّ باعة الأزيار والشّراب الفخارية، والسكاكين وسنّانوها، في شوارع مكّة وطرق مِنى وعلى أبواب المجزرة للذبح وتقطيع اللحوم. ويصنع النجّارون في البيوت وفي محلاتهم حاجيات النقل التي تحمل على ظهر الدابة والشَّبَارِي، حيث يُحمل العاجز عن الطواف في البيت.
ويعرض أهل الخيام والحبال وملاّك الدواب المؤجّرة على طوائف المطوفين وعلى مختلف جنسياتهم، وعلى الباعة الجوّالين، سلعاً مختلفة. ويكسب مبالغ كبيرة في هذا الموسم العطّارون في حوانيت الأسواق والتجار في مكّة عموماً، ومن لمهنتهم علاقة بالحجّ مباشرة.

النساء ويوم الخليف
لسيّدات مكّة حصّة في أيام العيد، ومنها يوم عرفة. وهو ليس كسائر الأيام في حياة أهالي مكة ممّن لا يذهبون في رحلة الحجّ. ففي يوم الخليف كانت النسوة تخرجنَ إلى الحواري والأزقّة في مجموعات وهنّ يرددن عبارة: "يا قيس يا قيس، الناس حاجة وأنت هنا ليش"، أو "يا قيسنا يا قيسنا، هيا تعالوا بيتنا، نسقيكم من شربيتنا". وفي ليلة عرفة، كان المكيّون والمكيّات يحملون سلال القهوة والمعمول متّجهين إلى الكعبة ليضيّفوا ويكرّموا الحجّاج.
وكانت قد جرت العادة خلال صعود حجّاج بيت الله الحرام من مكّة المكرمة إلى منى ومنها إلى عرفات، أن يتوافد أهالي مكّة وجدّة لقضاء يوم عرفة في رحاب بيت الله الحرام مستغلّين فراغه من الحجّاج. وفي ذلك اليوم كانت النسوة يحتفلنَ ويتبادلنَ الزيارات. وكان لابدّ من التنكر في أزياء الرجال، أو أزياء في شكل الحيوانات، فتقضي النسوة أوقاتهنّ في التجول داخل أحياء مكّة، ويجتمعن في بيت أو مكان معيّن ويؤدّين الرقصات والغناء والمسرحيات. فهو يوم يحمل الكثير من المرح والترفيه للنساء والأطفال.

سوق عكاظ .. بداية الحجّ
كانت سوق عكاظ في الجاهلية تفتح مباشرة قبل أداء فريضة الحج. وهي تقع في الطريق بين الطائف ومكّة. وكان هناك أسواق ذي المجاز في عرفات، وسوق مجنة في غربها، وكلّها أسواق في الجاهلية تعقد قبل الحجّ إلى بيت الله الحرام. كان المال الذي يُصرف في مكّة وفي تأدية الفرائض، فيها مكاسب عكاظ وغيرها.
إذن سوق عكاظ كان إحدى السبل التجارية إلى الحجّ، ولم تكن منافعها في التجارة وتبادل الأموال والبضائع فقط بل كذلك في التعارف والتعاون والتعاضد على الأخلاق وعلى ممارسة العادات والتقاليد والتواصل في تراث الآباء والأجداد وطقوسهم. وحين تأثّم المسلمون من التجارة في مواسم الحجّ على إثر عكاظ نزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ). وإلى وقت قريب كان أهل مكّة يقولون: "حجّ وبيع سُبح"، إشارة إلى ما في الآية الكريمة من عمل الحجّ والتجارة في زمن واحد.
وقد روى ابن الزبير عن جابر أنّ النبيّ مكث سبع سنين يتبع الحجّاج في منازلهم خلال المواسم، بعكاظ ومجنّة، يدعوهم الى اعتناق الإسلام. وفي عكاظ رأى النبي قسّ بن ساعدة وحفظ كلامه، لذلك بقيت سوقاً تجارية في الجاهلية وفي الإسلام، وسنداً جغرافيّاً في روايات الشعر والشعراء، وأخبار العرب في الجاهلية، وأخبار النبي وصحابته في صدر الإسلام.

المساهمون