أيزيديات مختفيات... 1600 مختطفة لدى "داعش" بلا أثر

21 مارس 2017
ناجيات من داعش حاولن الانتحارفي مركز مخصص لرعايتهن(فرانس برس)
+ الخط -
تنتظر الفتاة الأيزيدية آسيا مجو خلف، ذات الثمانية عشر ربيعاً، اتصالاً لم يصل إلى هاتفها حتى اليوم، من شقيقتها أو شقيقها اللذين كانا برفقتها في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في الموصل، إذ هربت آسيا وصديقتها نهاد بركات (19 عاماً)، بمساعدة عبدالله شريم، رجل الأعمال الأيزيدي، والذي ساعد في إنقاذ 312 من الرهائن، من بينهم 56 من أقربائه عبر دفع فدى مالية لمهربين.

ظلت آسيا 14 شهراً في الأسر، بعد اختطافها من قبل "داعش"، الذي هاجم مناطق الأيزيديين في جبل سنجار في شهر أغسطس/آب من العام 2014. وتعرضت الفتاة الأيزيدية إلى الاغتصاب والبيع إلى عدد من مقاتلي وأمراء التنظيم، منهم حسن قرداش، الذي قتل في قصف جوي منتصف العام الماضي، وعقب تلك الحادثة تمكنت من الفرار برفقة صديقتها نهاد وشقيق لها، غير أنها هي وأفراد عائلتها الذين عادوا إلى بيتهم بالقرب من جبل سنجار، لا يزالون يبحثون عمن يساعدهم لإعادة شقيقها وشقيقتها اللذين اعتقلا معها.

وتعيش نهاد بركات بمخيم للنازحين بضواحي مدينة دهوك (480 كم شمال بغداد)، غير أن آلامها أكبر من آسيا كما تقول، إذ حملت بطفل تركته عقب ولادته بأربعة أشهر لاستحالة احتماله رحلة الهروب من الموصل إلى مناطق سيطرة البشمركة. ويزداد ألم نهاد، كلما تذكرت أن داعش اختطف 38 فرداً من أسرتها، نجا منهم 3 فقط ولا يعرف أحد مصير الباقين، الذين تخشى أن يستخدمهم التنظيم دروعا بشرية في معاركه، أو يموتوا خطأ نتيجة قصف التحالف الدولي، في ظل تراجع الاهتمام باستعادة الأيزيديات والأيزيديين الأسرى لدى التنظيم من قبل جميع الأطراف كما تقول.


مصير مجهول لـ 1600 أسيرة

يحصي الأكاديمي الأيزيدي خضر دوملي، المتخصص بقضايا الأقليات في العراق، ومؤلف كتاب "الموت الأسود" عن سبي النساء والفتيات الأيزيديات، 3200 أسير وأسيرة من الأيزيديين في قبضة داعش، نصفهم من النساء وفقا لإحصاء صدر عن اللجنة الأمنية المشكلة لمتابعة المختطفين الأيزيديين، في فبراير/شباط من العام الجاري.

وينقل التنظيم المخطوفين من النساء والأطفال من منطقة إلى أخرى، بحسب دوملي، الذي عمل على ملف الأسيرات، قائلاً: "عدد من المخطوفات توفين أو انتحرن، بعضهن انتحرن في الأسابيع الأولى كي لا يتحولن إلى سبايا وعدد آخر قتلن في العمليات العسكرية".
ويعتبر دوملي احتجاز الأطفال الأيزيدين وتحويلهم إلى انتحاريين خطرا كبيرا، وهو ما ظهر في شريط مصور للتنظيم كشف خلاله عن طفلين شقيقين من الأيزيديين نفذا عمليتين انتحاريتين ضد القوات العراقية في الموصل منتصف الشهر الماضي.

ويتفق حسن كورو، مدير مكتب متابعة المختطفين الأيزيديين، والذي أسسه نيجيرفان البرزاني رئيس حكومة اقليم كردستان من أجل دعم جهود تحرير المختطفين، مع دوملي في أن الوضع صار خطيراً، إذ يصعب متابعة عمليات تحرير المختطفات الأيزيديات بسبب اشتداد العمليات العسكرية، موضحاً أنه كلما تم التضييق على مسلحي تنظيم داعش تعقدت عمليات الإنقاذ". وبحسب كورو فإن المكتب دفع أموالاً نظير تحرير 2900 من الرجال والنساء والأطفال المخطوفين، من بينهم 1500 من الأطفال، 1050 من النساء و350 من الرجال.
وتبدي البرلمانية العراقية الأيزيدية، فيان دخيل، دهشتها من عدم الوصول إلى أثر نحو 3500 مختطفة ومختطف أيزيدي، متسائلة في بيان صحافي صادر عن مكتبها الشهر الجاري "أين هم الآن؟ وأين نقلهم تنظيم داعش الارهابي"؟ وتابعت :"ما يبعث على القلق هو أنه رغم الانحسار اللافت لتنظيم داعش سواء بالموصل أو تلعفر، فإن اللافت في الأمر هو إنقاذ بضعة أيزيديين لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، وهو أمر يبعث القلق والشكوك في نفوسنا"، وختمت بالإشارة إلى أن "المعلومات التي بحوزتنا تشير لوجود المئات منهم ومنهن بالموصل وتلعفر"، وهو ما يؤكده رجل الأعمال عبدالله شريم والذي لفت إلى أنه عبر تواصله مع المهربين خلال عمليات إنقاذ الأسيرات، تأكد من وجود العديد من الأيزيديين في الموصل، وقسم آخر بمدينة الرقة ودير الزور في سورية. وتوقع شريم أن يكون هناك قتلى من المحتجزين الأيزيديين، مضيفاً "في الفلوجة قتل عدد منهم لا نعرف الرقم، في معارك الموصل ايضا هناك قتلى لأن داعش يستخدمهم كدروع بشرية، لذا نخشى أن نخسر عدداً كبيراً من الرهائن".

ويتشارك الناشط الحقوقي بهزاد فرحان، مع شريم في توقعاته المتشائمة حيال مصير المختطفين والمختطفات، قائلاً "أتوقع أن يختفي أثر أكثر من 2500 من المحتجزين من النساء والأطفال والرجال، وأن يتم استرداد 1000 شخص آخر فقط".

معاناة لا تتوقف

تعاني الأيزيديات الناجيات من مشاكل نفسية كبيرة مثل الصدمة والاكتئاب الحاد إلى درجة الشروع بالانتحار، حتى إن بعضهن حاولن الانتحار خلال وجودهن في مركز طبي بمدينة دهوك بإقليم كردستان العراق المخصص لرعاية الناجيات من داعش، بحسب ما تروي الطبيبة نغم نوزت، مديرة المركز، والتي وصفت حالة جميع الناجيات بالـ"صعبة" بسبب الظروف المعيشية التي يحيينها في مخيمات النازحين والتي لا تساعد على تحسنهن وتجاوز الأزمة النفسية، التي لحقت بهن جراء ما تعرضوا له من قبل مقاتلي داعش.

وتعامل المركز مع 900 فتاة وامرأة ناجية، أكثرهن مصابات بمشاكل جسدية ونفسية، وفقا لإفادة الطبيبة نغم، والتي أشارت إلى عدم ورود حالات لناجيات حوامل قدمن إلى المركز. وانتقدت مديرة مركز رعاية الناجيات الحكومة العراقية بشدة بسبب عدم الاهتمام بالناجيات وعدم دعم المركز، وحصرت مشاكل الناجيات في الأمراض الجلدية والضعف العام وسوء التغذية، والمشاكل نفسية.


انتقادات واسعة للحكومة العراقية

ينتقد كل من خضر دوملي وحسن كورو وبهزاد فرحان، غياب اهتمام الحكومة العراقية والوسط الديني في العراق بمؤسساته المختلفة بملف الأيزيديين المختفين، ويقول دوملي: "لا نعلم هل سيكون هذا الملف جزءاً من مشاريع المصالحة الوطنية في المستقبل أم لا، من حق الضحايا إنصافهم وتعويضهم وتأهيلهم".

أما مدير مكتب المختطفين الأيزيديين، فقال آسفا: "لا تتدخل الحكومة العراقية ولا الدول العربية ولا أميركا أو أوروبا لدعم تحرير أولئك النساء والأطفال والرجال من قبضة داعش، لا ندري كم منهم سيتحرر، هم أبناؤنا، تنكرت لهم الدولة العراقية لم نعد نشعر أننا عراقيون".

ويرد المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، عمار منعم، على تلك الانتقادات بالقول إن الوزارة "لم تتنصل من دعم ملف الأيزيديات بل اعتمدت شمول 350 من الناجيات بنظام شبكة الرعاية الاجتماعية (الحصول على راتب شهري لا يتجاوز مبلغ 500 ألف دينار نحو 400 دولار)". وأضاف لـ"العربي الجديد" "لدينا أيضاً خطة للمساعدة في إعادة تأهيلهن نفسياً واجتماعياً بالتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية"، متابعاً: "هناك جهات تتابع ملف المختطفين والمختفيات والعمل جار لمساعدة الناجين وتقديم الدعم الكامل لهم".


الانتحاريون الصغار

في يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن مدير سجن الأحداث والنساء في مدينة دهوك في إقليم كردستان العراق أن المعارك ضد تنظيم "داعش" أسفرت عن اعتقال أعداد من عناصر التنظيم والمتعاونين معه، بينهم 45 فتى جندهم التنظيم ويطلق عليهم "أشبال الخلافة" وهم محتجزون لديه في السجن. ويبدي متابعو الملف قلقهم البالغ إزاء تجنيد داعش أطفال الأيزيديين الذين اعتقلهم وتم العمل على غسيل أدمغتهم وإعدادهم ليكونوا انتحاريين. ويؤكدون وجود ما بين 450 و500 من الأطفال الأيزيديين في معسكرات داعش جرى تحويلهم الى انتحاريين، بعضهم رفض تحريره والهرب من مختطفيه مع شقيقاته، من قبضة داعش بعد تبنيه أيديولوجية التنظيم، وهو ما يفاقم من مأساة العائلات الأيزيدية المنكوبة في بناتها وفلذات أكبادها.
دلالات