أيتام سورية... معاناة بحجم مأساة الوطن

05 ابريل 2019
الصورة
أيتام على الحدود التركية السورية (زين الرفاعي/ فرانس برس)

ما زال أطفال سورية يدفعون ثمناً باهظاً، منذ نحو ثمانية أعوام. كثيرون منهم خبروا ظروف الحرب القاسية وخسروا منازلهم ومدارسهم ورفاقهم وبلداتهم وعانوا من الحصار والتجويع، في حين أنّ مئات الآلاف خسروا ذويهم، لتتفاقم معاناتهم.

نهلة (14 عاماً) خسرت عائلتها كلها في دير الزور (شرق) قبل أعوام، لتسكن مع عائلة عمّها النازح بريف حلب (شمال)، في ظل أوضاع إنسانية سيّئة جداً، وتعيش مرارة فقدانها عائلتها ومرارة العوز. تقول نهلة، لـ"العربي الجديد"، إنّه "على الرغم من أنّ عمّي وزوجته يعاملاني كواحدة من بناتهما، فإنّه لا يمرّ عليّ يوم من دون أن أفكّر في أمّي وأبي وأخي. ما أن أضع رأسي على الوسادة في المساء، حتى تنهمر دموعي. الدنيا كلها لا تستطيع تعويض حنان الأم وعطف الأب". تضيف أنّه "بسبب النزوح والفقر لا أذهب إلى المدرسة، حالي حال بنات عمّي وأبنائه، وأمضي اليوم وأنا أساعدهم في الأعمال المنزلية. كذلك تعلّمت الحياكة، فصرت أحيك قبّعات من الصوف وأبيعها لبعض المحال، فأتمكّن من جني قليلاً من المال".

من جهته، خسر محمد صادق (15 عاماً) من مدينة بنش في ريف إدلب (شمال) والده في إحدى الغارات، وهو اليوم مسؤول عن إخوته الثلاثة ووالدته، فيقول لـ"العربي الجديد"، "في نهاية العام الدراسي الحالي، سوف أسافر إلى تركيا وأعمل هناك لأعيل والدتي وإخوتي". يضيف وهو يحبس دموعه: "أشتاق إلى أبي كثيراً. كل شيء هنا يذكّرني به. بعد رحيله أشعر بالوحدة، وأكثر ما يؤلمني عدم تقديم أيّ من الأقارب مساعدة إلى والدتي".

يقول الناشط في مدينة بنش، مصطفى محمد رجب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "في هذه المدينة وحدها أكثر من 500 يتيم، وثمّة داراً للأيتام هنا يتلقّون فيها الدعم من تبرّعات محلية. كذلك يكفل بعض الأشخاص أيتاماً". يضيف رجب: "أعرف شخصاً يُدعى محمود من بنش قُتل في بداية الأحداث، وخلّف وراءه أربعة أطفال، أخذتهم والدتهم إلى أهلها، فتكفّل أخوالهم بإعالتهم. هم عانوا بالتأكيد، خلال السنوات الماضية، من صعوبات مالية متكررة، ثمّ صاروا يتقاضون بدل كفالة بقيمة 50 دولاراً أميركياً من لجنة كفالة الأيتام، علماً أنّه مبلغ زهيد".




في مخيّم الركبان، عند الحدود السورية الأردنية، يفيد رئيس المجلس المحلي أبو أحمد درباس "العربي الجديد" بأنّ "الإحصائية الأخيرة التي أعددناها، كانت قبل عام تقريباً، وبيّنت وجود أكثر من 400 طفل يتيم، لكنّها لم تساعدهم في الحصول على مساعدات، على الرغم من محاولات كثيرة". ويلفت إلى أنّ هؤلاء "يعيشون معاناة مضاعفة عن المعاناة المريرة التي يعانيها أهالي المخيّم من جرّاء سياسات الحصار والتجويع التي تمارس على أكثر من 40 ألف مدني، من جرّاء فقدان المعيل وغياب المساعدات".

في السياق، يقول طارق الإدلبي، وهو من منسّقي الاستجابة، لـ"العربي الجديد": "لقد أحصينا في مناطق الشمال السوري أكثر من 189 ألف طفل يتيم حتى نهاية عام 2018"، مضيفاً أنّ "ثمّة قرى عدّة هنا لحضانة الأطفال الأيتام، إلى جانب وجود دور رعاية كذلك، بينما تتنوّع أشكال الدعم المقدّمة للأيتام، منها الكفالة المالية والسلال الغذائية، غير أنّها لا تلبّي الاحتياجات بالتأكيد".

لا تتوفّر إحصاءات دقيقة عن عدد الأيتام في سورية، بسبب تعدّد القوى المسيطرة على الأرض، بالإضافة إلى النزوح والتهجير واللجوء، لكنّ ثمّة جهات تقدّر نسبة الأيتام بنحو 10 في المائة من السوريين، البالغ عددهم نحو 18 مليون نسمة، وهي نسبة مرتفعة. وكانت مصادر في وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة للنظام السوري قد أفادت، في تصريحات صحافية، في منتصف أغسطس/آب 2018، بأنّ عدد الأطفال الموجودين في دور رعاية الأيتام في سورية وصل إلى 32 ألف طفل، منهم 22 ألف طفل في دمشق وريفها. وفي ديسمبر/كانون الأوّل من العام نفسه، كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن أكثر من 30 ألف يتيم في دمشق وريفها، 600 منهم فقط يعيشون في دور رعاية الأيتام هناك.




إلى جانب ذلك، كانت تقارير إعلامية قد ذكرت، في أواخر العام الماضي، أنّ أكثر من 800 ألف يتيم يتركّزون في المناطق الحدودية السورية التركية، شمالي البلاد، وفي المخيّمات على الأراضي التركية. في حين أعلنت وزارة العائلة والسياسيات الاجتماعية التركية عن وجود أكثر من 2100 عائلة تركية تنتظر دورها لتبنّي أطفال سوريين أيتام. وذكرت الوزارة حينها أنّ أطفالاً سوريين أيتاماً يؤخذون بطريقة سرية إلى بلدان غربية أو يُختطفون بهدف التبنّي.