أوباما والسيسي... العودة إلى الجذور

03 ابريل 2015
الصورة

أوباما والسيسي في مباحثات في نيويورك (24 سبتمبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -
رفع الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الحظر عن بعض إمدادات السلاح لمصر التي كان قد جمّدها في أكتوبر/تشرين أول 2013، تعبيراً عن الامتعاض من تداعيات انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013. ولم يكن رفع الحظر عن المساعدات العسكرية لمصر مفاجئاً، ليس فقط بسبب تورط واشنطن في الحرب على "داعش"، وحاجتها لتقوية علاقاتها بحلفائها التقليديين، مثل مصر، وإنما أيضاً لأن تعليقها كان مجرد محاولة لحفظ ماء وجه أوباما بعد الانقلاب، وليست إيماناً حقيقياً بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. ناهيك عن ضغوطٍ مارسها أعضاء الكونغرس، خاصة اللوبي الصهيوني الداعم لإسرائيل، على إدارة أوباما، من أجل استئناف المساعدات.
يسير أوباما على خطى كل من سبقوه من الرؤساء الأميركيين الذين دعموا نظام حسني مبارك طوال العقود الثلاثة الماضية، وقايضوا القمع بالديمقراطية تحت ادعاء تحقيق الأمن والاستقرار. وهو يرى في نظام السيسي، على الرغم من جرائمه وكوارثه، حليفاً استراتيجياً لا يمكن خسارته، أو التفريط به تحت أي ظرف. ومن يتابع تصريحات وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين، طوال الفترة الماضية، يكتشف إلى أي مدى تخلت إدارة أوباما عن مطالب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان مقابل تدعيم العلاقات العسكرية والاستراتيجية مع القاهرة. فقد صرّح الأول، أكثر من مرة، إن مصر تسير باتجاه الديمقراطية، ويجب دعمها من أجل تحقيق الأمن والاستقرار. في حين أكد الثاني، في اتصالاته الهاتفية بنظيره المصري، حرص واشنطن على استئناف المساعدات وتدعيم التعاون العسكري واللوجستي بين البلدين.
لعب السيسي بذكاء مع أوباما وإدارته، ونجح في استدراجه من أجل استئناف المساعدات، تارة بلغة الاستجداء وتقديم الولاء، مثلما جاء في حواره مع صحيفة وول ستريت جورنال، فقد قال فيه "لو أن واشنطن أدارات ظهرها للقاهرة فلن تعاملها الأخيرة بالمثل"، وتارة أخرى بتقديم نفسه باعتباره "مصلحاً دينياً"، يسعى إلى القيام بـ"ثورة" دينية، والتصدي للأفكار والتيارات المتطرفة. ومن شأن استئناف المساعدات الأميركية لمصر أن "يُخرس" الأصوات والحناجر التي ملأت الفضائيات (الأذرع الإعلامية)، في الفترة الماضية، وحاولت تصوير الجنرال السيسي باعتباره "الفارس الجسور" الذي تصدّى لمخططات الأميركيين ومؤامراتهم في المنطقة، وأسر قائد الأسطول الأميركي السادس. ويتعامى هؤلاء عن حقيقة أن مصر هي ثاني أكبر متلق للمساعدات الأميركية في العالم بعد إسرائيل.
يؤكد قرار استئناف المساعدات لنظام السيسي حقيقة واضحة، هي أن الديمقراطية في مصر لم ولن تكون يوماً مصلحة أميركية. وهو ما أكده الباحث الأميركي، جايسون براونلي، في كتابه المهم عن العلاقات المصرية-الأميركية في العقود الأربعة الماضية. حيث يري براونلي أن واشنطن تعد أحد الأطراف المسؤولة عن فشل الديمقراطية في مصر طوال العقود الماضية، بسبب دعمها السلطوية والاستبداد، خصوصاً في عهد مبارك. لذا، عندما قامت ثورة يناير تخبطت الولايات المتحدة، ولم تدعم الثورة، وإنما كانت تحاول استنساخ نظام مبارك، ولو برأس وشكل جديدين، حتى لا تتأثر مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
الآن، يمكن القول إن العلاقات بين القاهرة وواشنطن عادت إلى سيرتها الأولى، من حيث الاعتماد المتبادل، بحيث تقوم الأولى بحماية المصالح الأميركية في المنطقة، وأهمها ضمان مرور الناقلات الأميركية في قناة السويس بأريحية، وحرية استخدام المجال الجوي المصري في العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة في مقابل الحصول على المساعدات العسكرية التي يبلغ حجمها 1.3 مليار دولار سنوياً.
هي الصفقة القديمة، إذاً، يجري تكرارها وإعادتها الآن. ولكن، بشكل أكثر قبحاً وفجاجة. فنظام حسني مبارك، على الرغم من سلطويته واستبداده، لم يرتكب الجرائم والانتهاكات نفسها التي ارتكبها نظام السيسي طوال العامين الماضيين، ما سيظل نقطة سوداء في سجّل السياسة الخارجية لأوباما عقوداً مقبلة.