أهداف الثورة السورية بعد سيطرة الأسلمة (2-2)

03 يناير 2015
الصورة

طفل يحمل علم الثورة السورية في حمص (03 فبراير/2012/أ.ف.ب)

+ الخط -

لم يعد مطلقو الثورة في سورية الفاعلين الآن، حيث عملت السلطة على ألا يكون هناك فاعلون، يمتلكون وعياً ورؤية، وقادرون على التنظيم. لهذا، ركزت على التنسيقيات التي نشأت من شباب وكادرات سياسية، تطمح إلى الحرية، فاعتقلت كثيرين منهم، وقتلت كثيرين كذلك، و"هاجر" كثيرون من ثمَّ. ليبقى شباب مفقر ومهمّش في الغالب، سرعان ما قرَّر الانتقال إلى السلاح، نتيجة عنف السلطة ووحشيتها. كان عنف السلطة يدفع المتظاهرين إلى التحوّل إلى السلاح، رويداً رويداً. وكلما تصاعد الانتقال إلى السلاح، تصاعد عنف السلطة، وأخذت في تدمير المناطق الناشطة، ما قاد إلى تراجع كبير في الحراك الشعبي، إلى أن تهمّش وبات الصراع مسلحاً. ونتيجة تركيز السلطة على الكفاءات والخبرات، ظلت الفئات الأكثر بساطة، متعلمة قليلاً أو غير متعلمة، عاطلة عن العمل أو مفقرة، تمتلك وعياً تقليدياً هو في طبيعته قائم على الدين، وإنْ كان لا يشير إلى التدين.
ومع التسلح، أخذت تتشكل كتائب تسعى إلى الحصول على المال والسلاح، ولعب "الإخوان المسلمون" دوراً في شراء بعض هذه الكتائب عبر الربط المالي، لكن الأخطر كان في دور دول إقليمية عملت على "التمويل"، والوعد بالسلاح، مع شرط إطلاق التسميات الإسلامية على الكتائب المسلحة. ثم أطلقت السلطة "جهاديين" معتقلين، ينتمي معظمهم لتنظيم القاعدة، فشكلوا ما بات يمثّل أهم الفصائل المسلحة (أحرار الشام وصقور الشام، وجيش الإسلام، ثم جبهة النصرة، وبالتالي داعش)، مع ضخ خارجي من دول إقليمية (السعودية تحديداً). وهذا ما كان يساعد على تضخّم الكتائب الإسلامية على حساب الكتائب الأخرى، التي كانت تميل لأن تكون محلية.

لكن، ترابط هذا السياق مع تحوّلات في "نفسية" الشباب الذي حمل السلاح، فبعد أن نجحت السلطة في تصفية "النخب" الشبابية، وصعّدت العنف إلى حدّه الأقصى، كان من الطبيعي أن يتصرَّف الشباب الذي حمل السلاح، بشكل غريزي، حيث أصبح همه سحق السلطة وهزيمتها عبر احتلال المدن والقرى، وصولاً إلى السيطرة على العاصمة. رد الشباب الذي تظاهر على اتهامات السلطة بأن الثورة حراك إخواني وعصابات سلفية، بشعار "لا سلفية ولا إخوان .. الثورة ثورة شبان" لكن تصاعد العنف، وتحوّل الثورة إلى قتال حقيقي فرض الميل للتدين، وربما هذا أمر طبيعي في مواجهة الموت. فرض هذا الأمر الانتقال من الرد بالسلب على خطاب السلطة إلى الرد بالتمثُّل، أي قبول ادعاء السلطة الطابع الديني للثورة، الأمر الذي جعل التأسلم ينتشر في صفوف الكتائب المسلحة، بالترابط مع الربط بقوى ودول تريد الأسلمة، وكلٌّ لهدف يخصه. وجاء تشكيل فصائل "جهادية" تمتلك المال والسلاح، مع شحة المال الوارد من الدول التي أرادت الأسلمة، لكي يدفع نحو الانخراط معها.
إذن، أدى الانتقال إلى السلاح بشكل عفوي غير مدروس ولا منظم ومن دون خبرات، إلى "اكتشاف" الحاجة إلى المال والسلاح، وبالتالي، توهّم أن هناك دولاً وقوى يمكن أن تمد بذلك. وكان هذا المدخل الموازي لوحشية السلطة في الوصول إلى توسّع الكتائب المسلحة المتأسلمة، ثم توسّع جبهة النصرة وداعش. من دون أن نتجاهل، هنا، كل الضخّ الإعلامي من قنوات فضائية (الجزيرة والعربية، وحتى بي بي سي وفرانس 24) وتركيز الإعلام الغربي على المسألة الطائفية، وتواطؤ قوى معارضة في نقل صورة غير صحيحة عن شعارات التظاهرات، عبر دس أفراد أو "شراء" مراسلين. حيث كان يبدو تناسقاً بين أطراف تظهر أنها تتصارع، فخطاب السلطة يكرر التركيز على الطابع السلفي للثورة، والإعلام ينقل ما يُظهر الثورة بأنها "إسلامية"، وكانت تقف خلف ذلك بعض أطراف المعارضة (جماعة الإخوان المسلمين، وبعض أطراف إعلان دمشق وبعض "المثقفين") ودول إقليمية.
وبهذا، كان عنف السلطة من جهة، ودفعها نحو التسلح من جهة أخرى، ودور بعض أطراف المعارضة والدول الإقليمية من جهة ثالثة، هي بتناسق غريب قد قادت الأمور إلى أن تصبح الأسلمة السمة العامة لما يجري، وأن تختفي الثورة تحت وطأة كل هؤلاء. وبالتالي، أن يصبح صراع الكتائب المسلحة هو فقط من أجل إسقاط النظام، بغض النظر عن البديل، ومن ثم بقبول بديل أصولي. هذا إضافة إلى أن جبهة النصرة وداعش مارستا ضد الثورة أكثر مما مارستا ضد السلطة، وكان واضحاً أن دورهما تدمير الثورة، وليس إسقاط السلطة.

انجرف شباب كثيرون في هذا المسار، بعد أن بات معنياً بإسقاط النظام بالسلاح، وبالتالي، بات يحتاج إلى السلاح والمال، وإلى الله لكي يخفف رهبة الموت. وما ساعد على ذلك انسياق معظم أطراف المعارضة خلف الأسلمة، بعد التبعية للدول الإقليمية التي أرادت الأسلمة، وقتل أو سجن أو "تطفيش" الكادرات التي كان يمكن أن تلعب دوراً "عاقلاً" وعقلانياً. ولكن، أيضاً، انجراف شباب كثير هاجر نحو تعزيز الميل الطائفي، والدفع نحو تحويل الصراع إلى صراع طائفي: سني علوي. وذلك كله كان يسهّل لاختراق الثورة من "الجهاديين" الذين لم يأتوا لكي يقاتلوا السلطة، ويسقطوا النظام، بل من أجل إقامة "الدولة الإسلامية"، مدفوعين من أجهزة مخابرات متعددة، لتخريب الثورة بالأساس.
بالتالي، أدت تصفية الكادرات ودفع الصراع إلى شكل غريزي، بعد تصعيد العنف إلى مرحلة قصوى، بالترافق مع ضخ إعلامي أصولي، يكز على أسلمة الثورة قصداً، والحاجة إلى المال والسلاح، بعد الانتقال إلى الصراع المسلح، إلى قبول شكل إسلامي للثورة، الأمر الذي غذّى أن تصبح تنظيمات، مثل أحرار الشام وصقور الشام وجيش الإسلام، قوى أساسية، ومن ثم أن تستطيع النصرة وداعش من الوجود والتمكن. وكل هؤلاء ضد طموح الشباب الذي أطلق الثورة، وضد مصالح الشعب الذي يريد عيشاً كريماً. لكن، الخطر، هنا، أن هذا المشروع بات يُحمل من شباب ثوري، يريد غير ما باتت تفرضه الأيديولوجية التي فُرضت عليه عبر كل التكتيكات التي أشرت إليها. بالتالي، بات يقاتل ضد مصالحه.
العودة إلى أهداف الثورة
لا شك في أنه ليس كل الذين ثاروا باتوا سلفيين، بل النسبة الأقل هم كذلك، لكن كل الآخرين مشتتون ويعملون على مستوى محلي، كما أن جزءاً كبيراً من الشعب أصبح لاجئاً، وبات ناشطون كثيرون في الخارج. وكثيرون ممن ما زال في سورية يريد إسقاط النظام، نشط أو لم ينشط، كان مع الثورة منذ البدء أو كان قريباً من السلطة، فالوضع لم يعد يحتمل بقاء السلطة كما هي. لهذا، يقتضي الأمر إعادة بناء الثورة، وأولاً إعادة صياغة برنامجها بعيداً عن الأسلمة، لكن، أيضاً، بعيداً عن حصرها في مطلب وحيد هو الحرية، لأن ما يوحد هؤلاء هو البطالة والفقر والتهميش والاستبداد معاً، وليس الاستبداد وحده. إن شعار إسقاط النظام الذي هو هدف الثورة لم يكن يعني لا إسقاط رئيس، ولا تغيير شكل السلطة، بل كان يعني تغيير التكوين الاقتصادي السياسي، يعني إسقاط النمط الاقتصادي الذي أنتج البطالة والفقر والتهميش، وإسقاط النظام السياسي الذي يقوم على أساس استبدادي، وتأسيس دولة علمانية ديمقراطية.

جانب من الدمار في حلب (25 سبتمبر/2012/أ.ف.ب)


وهذا يقتضي خوض صراع أيديولوجي ضد الأصولية. لكن، أيضاً، ضد الميل الليبرالي المنفلت، من أجل هزيمتهما وفتح الأفق لتكريس وعي يسمح بانتصار الثورة. حيث علينا كشف تناقض رؤية القوى الأصولية وبرنامجها مع مطالب الشعب، ومع مصالح الطبقات المفقرة، ومع الحرية والفردية والديمقراطية. وبالتالي، كشف خطأ الانخراط في هذه القوى التي تتناقض مع مطالب وطموحات الفئات الشعبية التي تنتمي إليها، أو تشكّل لها بيئة حاضنة. وهنا، يجب التمييز الشديد بين الدين وما تطرح هذه القوى، وليس ممكناً ذلك إلا عبر كشف تناقضها مع مصالح الشعب ومطامحه، وتوضيح كيف تستغلّ الدين من أجل تكريس سلطة مافيوية ناهبة، أو فتح باب الفوضى والتدمير. وبالتالي، كيف أن العودة إلى القرون الوسطى وتمثّل فتاوى تستند إلى تلك القرون لا يفضي سوى إلى التدمير والقتل والتفكك، وليس إلى تحقيق مطالب يطرحها الشعب. فهذه القوى تستند إلى منظور فقهي هو قروسطي من الزاوية المعرفية، وبالتالي، هو قاصر عن فهم الحاضر، وفهم كيف يمكن تحقيق مطالب الحاضر.
كما علينا كشف منظور الليبرالية التي تريد حصر الثورة في الحرية السياسية، وتجاهل أن الحرية الاقتصادية هي التي فرضت المشكلات التي تعيشها الطبقات المفقرة. وبالتالي، لا يمكن أن تستمر إذا أردنا تحقيق مطالب الشعب، ومن ثم ليس بالضرورة أن تكون أساس الليبرالية السياسية، لأن المطلوب دولة علمانية ديمقراطية، تعبّر عن مصالح المفقرين أساساً. وهذا يقتضي تجاوز الاتكاء على رأسمالية هي، أصلاً، ليست معنية بتحقيق التطور الذي يضمن تحقيق مطالب هؤلاء المفقرين. بل إن مصالحها هي التي تؤدي إلى البطالة والفقر والتهميش وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية. وهي من أجل ذلك تكرّس دكتاتورية السلطة، لأن ذلك ما يسهّل لها النهب الذي بات السمة التي تتسم بها.

وإذا كانت الحرية تخص فئات تريد "التعبير عن الذات"، وهي فئات محدودة في الواقع، فإن البطالة والفقر والتهميش يخصّ النسبة الغالبة من الشعب، وهؤلاء هم من يحمل الثورة، ويدفعها نحو الانتصار. ولقد قاد تجاهل مطالبهم إلى قبولهم أن يتحوّل الصراع مع السلطة إلى صراع غريزي. وبالتالي، أن تتلبّس قطاعات منها المنظور الأصولي، أو تقبل الانخراط في التنظيمات الأصولية، التي كانت تمدها بمكامن القوة في الصراع، أي كانت تمدها بالمال والسلاح. ولهذا، كانت تقبل أيديولوجيتها. ولا شك في أن الصراع ضد السلطة هو، بالتحديد، من أجل بديل يحقق مطالب الشعب، وهذا ما كان يجب غرسه في الوعي، لكي يظل الصراع مع السلطة واضح الهدف، حيث يجب أن تسقط من أجل بديل يحلّ مشكلات البطالة والفقر والتهميش، وكل المشكلات المجتمعية.
وأظن أن الخطاب الليبرالي الذي حصر الثورة بهدف الحرية هو الذي سمح بأن يكون سهلاً تلبُّس الأيديولوجية الأصولية، لأنه لم يحمل مطالب الأغلبية التي تخوض الثورة، فلم يتبلور لديها الوعي بالأهداف التي تخوض الثورة من أجل تحقيقها. تصدرت القوى الليبرالية التي تتمثل في المعارضة وفئة شبابية لعبت دوراً محورياً في المرحلة الأولى. لكن، ظهر للشعب أنها فشلت. لهذا، انقلبت إلى الطرف الآخر الذي كان يبدو أنه يحقق انتصارات، متجاهلين أنه يحمل برنامجاً مضاداً لمصالحهم. حيث غرقت في صراع غريزي، كما أشرنا، وبات إسقاط السلطة هو الذي يحكم النظر، وليس إسقاط السلطة من أجل نظام بديل يحقق مطالبهم.