أندريا كاميلليري: وداعاً للحكّاء الصقلي

20 يوليو 2019
الصورة
(أندريا كاميلليري)
+ الخط -

"لا يمكن أن تبقى معاصراً طوال حياتك، أنا توقفت عند القنبلة الذرية وابتداع التنورة القصيرة"، يقول أندريا كاميلليري مازحاً في إحدى مقابلاته التلفزيونية، لكنه لم يتوقف عن الكتابة طوال حياته إلى أن رحل في 17 يوليو/تموز الجاري عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاماً. وقبل أن يرحل، كتب أيضاً الرواية التي يجري فيها الصدام الأخير بين المؤلف وبطله المفتش سالفو مونتالبانو، بعد أن يصبح شخصية مستقلة.

ويبدو أن هذه الرواية - الوصية التي ألّفها الكاتب الإيطالي قبل فترة طويلة وسلمها لناشره لتكون الحلقة الأخيرة في مسلسل المفتش مونتالبانو. من لويجي بيرانديللو إلى سلفاتوري كوازيمودو، مروراً بليوناردو شاشا وأندريا كاميلليري، كوكبة صغيرة من الكتّاب الصقليين، إلّا أن تأثيرهم كان حاسماً في بلورة أدب يتمتع بخصائص ونكهة مميزة، ولا سيما في مؤلفات كاميلليري، التي بلغت، مع صدور " طبّاخ ألكيون"، في مايو/ أيار الماضي، مائة رواية، بيع أكثر من عشر ملايين نسخة منها، ومسلسل تستمر حلقاته منذ عشرين سنة.

وُصِفَ بأنه الرفيق الجدير بالثقة أو الدليل إلى أكثر رغباتنا سرية، بنفس الطريقة التي يوجه بها الصيادين وينير الظلام، إذ تقودنا شخصيته المحببة في بحثنا وتضيء بكلماته البسيطة والمعبرة أكثر الجوانب حلكة وحميمية في نفوسنا. "القمر الورقي"، عنوان إحدى رواياته، ربما هو آخر ما حلم به على مسرح هذا العالم. وليس من قبيل الصدفة أن يظهر القمر دائماً في سياقات ذات معنى متناقص. المفتش مونتالبانو مثلاً، بطل معظم رواياته، يتذكر في ذروة سنواته بسرور ومرارة الأوقات السعيدة لطفولته.

في الحلقة التي تحمل عنوان "من الطرف الآخر للخيط"، التي عرضت في شهر فبراير/شباط الماضي، تعرّض كاميلليري لهجمات شديدة من قبل اليمين المتطرف لأن مفتشه مونتالبانو نزل بنفسه إلى البحر لينقذ مجموعة من المهاجرين. بعد أن أعلن أنه تلقى تلك الانتقادات بدهشة بالغة، صرّح قائلاً: "لقد رويت في كتابي ما كان يحدث تماماً قبل عدة أعوام، عندما كان رجال خفر السواحل ينقذون مئات المهاجرين في البحر ويجلبونهم إلى اليابسة. كان ذلك ممكناً في ذلك الوقت، فإذا كان هذا الأمر يستدعي الجدال الآن، فلا أعرف ما العمل. إنها أحداث، تاريخ. ثم ربما كانت قلوبنا تنعم برحمة أكثر مما لدينا اليوم".

وكان كاميلليري قد فقد بصره لبعض الوقت، لكن قدرته على السرد لم تتوقف، حثيثة، عميقة، وقادرة على خلط المفارقة والعذوبة. ورغم سنواته المتقدمة (من مواليد إمبيدوكلي عام 1925)، واصل كاميلليري كتابة مغامرات مونتالبانو، وذكرياته التي كان يمليها على مساعدته ووكيلته الأدبية فالنتينا الفرج، حتى عندما كان عاجزاً عن الكتابة. ذكريات حياة طويلة، واجهها دائماً من قلب الحدث، وعاشها بكل جوارحه، واعياً لعثراتها وسخياً نحوها.

يروي المقربون منه أن كتابه "تمارين الذاكرة"، الذي نشرته دار ريتسولي عام 2017، كان تحت خطر البقاء في الدرج، ليس بسبب حالة كاتبه الصحية، ولكن لأنه، بكل تواضع، هو الذي باع ملايين النسخ وتمكن من جذب حشود من الناس في كل أمسية أدبية يقيمها، كان يتساءل: من الذي يمكن أن تهمه قصصي الخاصة!

معظم الكتب التي ألفها أندريا كاميلليري خلال حياته، تم نشرها جميعاً في سن متأخرة. "خيط الدخان"، الذي أصدرته دار نشر غارزانتي في عام 1980، كانت أول السلسلة من الروايات التاريخية التي تجري أحداثها في مدينة "فيغآتا" الصقلية الخيالية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

في أحد الأيام، أحضر كاميلليري إلى ليوناردو شاشا وثائق "المذبحة المنسية" لأنها بدت له متماشية إلى حد كبير مع النوع الذي كرّسه مؤلف "يوم البومة" لتلك الأعوام، أي إعادة بناء الأحداث التاريخية الرمزية، ولكنها منسية. فدعاه شاشا لكتابة هذه القصة بنفسه وقدمه إلى إلفيرا سيلليريو، صاحبة دار النشر التي تحمل نفس الاسم، وعقد معها كاميلليري أواصر صداقة استمرت حتى النهاية.

في عام 1994، ولد المفتش مونتالبانو مع رواية "شكل الماء"، وهو أول كتاب من هذه السلسلة. في عام 1998، انفجرت هذه الظاهرة من خلال المسلسل التلفزيوني الذي قام ببطولته لوكا زينكاريتّي، وبالتالي فرض نفسه كواحدة من أهم حالات النشر في السنوات العشرين الماضية. وبفضل مغامرات المفتش وزملائه أوجيللو، وفاتسيو، وكاتاريللا، وآخرين، تمكن كاميلليري من جلب الجميع، حتى القراء من الشمال، إلى راغوسا في صقلية البيضاء والزرقاء، التي تشبه بطاقة بريدية، لكنها حقيقية.

لقد فعل ذلك بلهجته التي أعاد صياغتها، صعبة ظاهرياً فقط، مما أجبر الجميع على تعلّم كلمات مثل كاباسيسي Cabasisi، وهي مزيج من Habb حَبْ، و Haziz عزيز، أي حب العزيز أو لوز الأرض، وهي كلمة لطيفة ومرحة باللهجة الصقلية، وتزرع البهجة وتخفف التوتر حتى في الأوضاع الأكثر حدة. ويمكن استعمالها أيضاً بشكل مناقض، مثل "لا تُقلق راحتي"، أو كما نقول بالعامية "حِلّ عنّي!".

لا يعرف بالضبط متى بدأ الصقليون باستعمال هذه الكلمة، ولماذا يستخدمونها لهذا الغرض أو ذاك، فالمعاجم الإيطالية لا توضح أكثر من أنها كلمة من أصل عربي، واحدة من مئات الكلمات التي تركها أجدادنا قبل أن يرحلوا من صقلية بعد إقامة طالت لعقود طويلة من الزمن.

ولكن ما الذي صعد بهذا الكاتب المختلف إلى سدة النجاح العالمي؟ بلا شك، إحساسه الفطري ومقدرته على سرد القصص بطريقة عفوية ومدهشة، أو بالأحرى، كما يقول هو نفسه، سردها كالحكائين. لقد فسر كاميلليري هذه الحاجة دون جهد لأنه يمتلكها بنفسه. كل شيء هو تاريخ، ليس بالمعنى الممل للمؤرخين المرتبطين بالضرورة بالتوثيق التاريخي، لكن في الآلية الإنسانية الكاملة للحقائق المنقولة بمهارة كبيرة في الذاكرة والخيال.

في كتابه "أخبريني الآن عنك"، وهو كتاب – رسالة إلى حفيدته ماتيلدا، الذي صدر عن دار نشر بومبياني عام 2018، يقول: "آخر ما تعلمته هو بالضرورة أن تكون لدي فكرة، ويمكنك أن تسميها مثالية، وأن أتمسك بها، ولكن دون تحيز، وأن أستمع دائماً إلى أفكار الآخرين المختلفة عن أفكاري، والدفاع عن أسبابي الخاصة بثبات، شارحاً إياها ومعيداً شرحها، ويا حبذا، لِم لا، أن أغيّر أفكاري نفسها".

تسرد روايات كاميلليري (نقلت اثنتان منها إلى العربية) الحياة اليومية، بمزيج من اللغة الإيطالية واللهجة الصقلية، وبطابع مبتكر يستعيد القارئ نفسه من خلالها، كإنسان من هذه الأرض. أثناء تدريسه في أكاديمية السينما، كان كاميلليري يردد دائماً أمام طلّابه إن المخرج يجب أن يعرف كيفية سرد القصص التي يكتبها الآخرون، ولكن بطريقته الخاصة، مما يجعلها تبدو دائماً جديدة.

ولم تخل حياة كاميلليري من مواقف قد تبدو اليوم طريفة في ظاهرها، إلا أن أوضاعاً كهذه، بعد أن اندثرت تقريباً في كثير من دول العالم، لم تتحول بعد إلى ماضٍ في منطقتنا وفي كثير من دول العالم الثالث: "كان المعلمون في المدرسة، يطلبون منّا كل يوم أن نكرر شعار موسوليني المؤلف من ثلاث كلمات، "آمن، أطع، قاتل"، ويعظمون ذكاء "الدوتشه"، أو القائد، كما كان يسمّي موسوليني نفسه، ورغبته في جعل إيطاليا دولة عظيمة. كل يوم سبت، بعد التدريبات، كانوا يصحبوننا إلى الكنيسة حيث كان يشرح لنا القسّ التعاليم المسيحية، لكنه كان لا يفوت الفرصة ليذكرنا بأن قداسة البابا دعا موسوليني الرجل الذي أرسلته العناية السماوية، وبالتالي تجب إطاعته بطريقة عمياء.

لذلك كان من المحتم أن أكون فاشياً متحمساً في سن العاشرة، لدرجة عندما أعلن موسوليني الحرب على الحبشة في عام 1935، كتبت إليه رسالة أطلب منه الإذن للذهاب كمتطوع إلى ميدان المعركة. وببهجة وسرور تلقيت رداً منه يخبرني فيه أنني ما زلت صغير السن كثيراً".

لحسن الحظ، بعد أن أصبح شاباً، غيّر كاميلليري رأيه، وكان من أوائل الموقعين على النداء الذي كتبه بنفسه: "... إن الأمم التي تحارب الفاشية، يجب أن تعي أن صقلية لا تملك قاسماً مشتركاً مع العصابات التي أطلقت العنان للحرب والتي تصر على جعلنا نقاتل دفاعاً عنها، ليكون مآلنا الإبادة الجماعية. هيا استعدوا للخلاص، لقد اقترب يوم العدالة، ونحن لن نجد أنفسنا بين الجناة، بل بين القضاة".

المساهمون