أميركا وسيطاً بين لبنان وإسرائيل

30 مايو 2019
الصورة

عون وبومبيو في بيروت.. مباحثات الحدود وحزب الله (22/3/2019/الأناضول)

+ الخط -
تكثّفت أخيرا زيارات المسؤولين الأميركيين إلى بيروت، بما فيها زيارة وزير الخارجية، مايك بومبيو، الشهر الماضي (مارس/ آذار). وكانت أهم العناوين التي تُطرح في اللقاءات مع المسؤولين اللبنانيين الضغط على حزب الله كجزء من سياسات واشنطن في المنطقة، وملف النفط والغاز في حقول البحر الأبيض المتوسط. وتكاد الزيارات الأميركية المكوكية إلى بيروت تتحول إلى وساطة بين لبنان وإسرائيل في مسألة ترسيم الحدود البرية والبحرية، باستثناء مزارع شبعا. وقد انتقل، قبل أيام، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد ساترفيلد، بين بيروت وتل أبيب، حاملاً بين الطرفين مقترحاتٍ تتعلق بمسألة ترسيم الحدود، وردّ كل طرف على ما عرضه الطرف الآخر. وبالطبع، يحمل ساترفيلد رؤية أميركية لحل هذه المسألة، ويحمل معها حرصاً على نجاح هذه المساعي. وبالمناسبة، يتمسك لبنان بأن تكون المفاوضات عبر الأمم المتحدة في الناقورة (مقر قوة الأمم المتحدة "يونيفل" في جنوب لبنان) وبوساطة أميركية، ويتمسّك أيضاً بأن يكون هناك تزامن بين ترسيم الحدود البرّية والبحرية، ويبدو أن الطرف الإسرائيلي وافق على هذا الطلب اللبناني، وفقاً للأجواء التي عاد بها ساترفيلد من تل أبيب إلى بيروت.
ومن المفيد التذكير بأن هذا المسعى الأميركي يتزامن مع عدة أمور مهمّة، تجري في المنطقة، فهو يتزامن مع الحديث عن قرب الإعلان عن "صفقة القرن" التي تمثّل رؤية الرئيس الأميركي ترامب في تصفية للقضية الفلسطينية. كما يتزامن مع الدعوة إلى مؤتمر اقتصادي في المنامة تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار"، والذي تمّ من الآن تقديم وعود فيه لجمع أموال طائلة لتقديمها لتحسين ظروف الفلسطينيين في دول الطوق، مع ضرورة أن نتذكّر أن كل دول الطوق (مصر، الأردن، سورية، لبنان، والأراضي المحتلة) تعاني أزمات اقتصادية حادة. وكذلك يتزامن هذا الحراك الأميركي باتجاه لبنان مع التهديدات والعقوبات الأميركية على إيران، والتي بدا، خلال الأيام الماضية، أنها ستذهب باتجاه المواجهة والحرب، لولا الوساطات التي برزت في أكثر من مكان خلال ربع الساعة الأخير، مع الإشارة إلى أن الأمور على حالها من الاحتقان والخطر.
أمام تزامن المسعى الأميركي لحلّ أزمة ترسيم الحدود البحرية والبرية بين ولبنان و"إسرائيل"، مع كل هذا الحراك الأميركي في المنطقة، بدأت ترتسم في الفضاء اللبناني علامات تخوّف من 
أن تكون هذه الوساطة الأميركية أحد بنود صفقة القرن المتصلة بالوضع في لبنان، ومنها مسألة نزع سلاح المقاومة، وتفكيك مخيمات اللاجئين الفلسطييين، وتوطينهم أو ترحيلهم، بأية طريقة، من لبنان إلى الخارج، وإنهاء حق العودة، وهو من أبرز القضايا ضمن قائمة الحلّ النهائي في المفاوضات التي حصلت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
يهدف المسعى الأميركي إلى تقديم إغراءاتٍ للحكومة اللبنانية، خصوصا في الجانب الاقتصادي المالي، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والضاغطة، في مقابل الموافقة على البند المتعلق بلبنان في صفقة القرن، وهو توطين اللاجئين الفلسطينيين وتفكيك المخيمات، لينال لبنان مقابل ذلك الأموال والمساعدات، أو ليفتح الطريق أمامه من أجل استخراج ثروته النفطية والغازية من حقول البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، نُقل عن مسؤول لبناني عدم خشيته من الوضع الاقتصادي المتدهور في البلد، لأن ذلك يمكن حلّه بالأموال التي ستُقدم أو من خلال تسهيل استخراج النفط والغاز.
وفي هذا السياق أيضاً، هناك من يقول في بيروت إن الوساطة الأميركية قد تكون، في جزء من أهدافها، مبادلة بعض الأطراف المحلية والإقليمية الرافضة للصفقة مصالح محدّدة لإنجاح بعض بنود الصفقة. وهناك من يقول إن الهدف من كل الوساطة الأميركية تسوية الخلاف بين لبنان وإسرائيل في ما يتعلق بالحدود البرية والبحرية، ونزع الذرائع من أيدي المقاومة تحديداً، كجزء من تحضير المسرح الإقليمي، فيما لو ذهبت الأمور باتجاه المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين إيران.
المهم في كل هذا المسعى الأميركي أن لا ننسى أن الثابت الوحيد في السياسة الأميركية الشرق أوسطية هو الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوّقها. وبالتالي، تأخذ هذه الوساطة وهذا الحرص عليها، في الاعتبار وبشكل أساسي، هذا الثابت الذي لم يتغيّر منذ وقت بعيد.