أميركا والثورة السودانية.. تدخل بلا فاعلية

أميركا والثورة السودانية.. تدخل بلا فاعلية

17 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
ما دلالات توقيت التعاطي الأميركي أخيرا مع الأوضاع في السودان، عبر زيارة مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي، البلاد، وتعيين دونالد بوث مبعوثا أميركيا للملف السوداني، ما دوافعه، ومدى فاعليته، وهل يمكن أن يؤثر في حلحلة الأزمة الراهنة في السودان؟
زيارة ناجي، وهو المسؤول الأول عن الملف الأفريقي في الخارجية الأميركية، ليست إلى السودان بمفرده، بل تشمل إثيوبيا وموزمبيق وجنوب أفريقيا، أي هي ليست زيارة خاصة، أما فكرة تعيين مبعوث أميركي للسودان فأمرٌ يتدارك أخطاء الماضي، والذي كشف عن عدم وجود رؤية واضحة للإدارة الأميركية بشأن السودان، خصوصا في ظل إدارة ترامب ووزير خارجيته حينذاك، ريكس تيلرسون، الذي سعى إلى إلغاء منصب المبعوث الخاص للسودان وجنوب السودان، في إطار حملته لإعادة هيكلة الوزارة في حينه، وهو ما يمكن إرجاعه جزئيا إلى وجود ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة لها. وربما ظهر هذا الأمر بوضوح في تأخر نظر ترامب، في قرار الرفع الجزئي للعقوبات عن السودان، والذي اتخذه الرئيس السابق أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض أوائل يناير/ كانون الثاني 2017، وكان يفترض أن تتم مراجعته خلال ستة أشهر، ولكن ترامب طلب مهلة إضافية ثلاثة أشهر، وكانت المفاجأة الإبقاء على قرار أوباما، على الرغم من التباينات الشديدة بين الرجلين.
وبالنسبة لدلالة هذا الاهتمام ودوافعه، واضحٌ أن إدارة ترامب شعرت بالحرج من عدم تدخلها
لدعم الثورة السودانية ابتداء، ثم صمتها عن المجزرة أخيرا، ما ساهم في زيادة الانتقادات الدولية الموجهة لها، والمطالبة بضرورة تدخلها في عملية التسوية، كما أن الاجتماع الأوروبي الأميركي الذي استضافته واشنطن في مايو/ أيار الماضي لم يسفر عن أي شيء ملموس، علاوة على أن الدعم الإقليمي للمجلس العسكري، خصوصا من السعودية والإمارات، والتصرفات غير المسؤولة للمجلس، سيما مع طريقة التعاطي العنيف والخاطئ في فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، دفعها إلى ضرورة الظهور على مسرح الأحداث، حتى وإن كان من أجل البروباغندا فقط. وهو ما اتضح في الزيارة أخيرا، حيث لم تكن هناك ضغوط على المجلس العسكري تحديدا، للعودة إلى مسار المفاوضات قبل 3 يونيو/ حزيران، والذي ألغاه كليا بعد فض الاعتصام، وإنما كان الحديث عن ضرورة جلوس جميع الأطراف لطاولة التفاوض، وهو حديث دبلوماسي عقيم، لا يتناسب مع إمكانات الولايات المتحدة، وتهورات رئيسها ترامب.
وراء هذا التعامل الدبلوماسي الأميركي الباهت مجموعة من الدوافع، فواشنطن لن تتضرّر كثيرا من بقاء الوضع الراهن كما هو عليه، بل قد تكون أكثر ميلا إلى العسكر، لأنهم ينتمون للمؤسسة نفسها التي كان يرأسها البشير، وحققت نجاحات كبيرة في الملفات الخمسة التي وضعتها إدارة أوباما شروطا واجبة التحقيق، قبل الرفع الجزئي للعقوبات، وهي عدم التدخل في الجنوب السوداني، التعاون في ملف الإرهاب، تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، تحجيم جيش الرب الأوغندي، وعدم التصعيد في دارفور والنيل الأزرق وكردفان، بل تردّد أن إدارة ترامب، قبل الأحداث التي أطاحت البشير، كانت عازمة على بحث خطة رفع السودان من قوائم الإرهاب الموضوعة منذ عام 1993، وأن كبير مستشاري شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، سيريل سارتر، سافر إلى الخرطوم لمناقشة المرحلة التالية من التقارب. وثانيا، قد يُغضب انحياز واشنطن للثورة حلفاءها الإقليميين الذين يتدخلون عنها بالوكالة، 
خصوصا الإمارات والسعودية، والذين سيلعبون دورا مهما في إتمام صفقة القرن والتطبيع العربي مع إسرائيل، بل تركت واشنطن لهم الساحة السودانية، لفعل ما يحلو لهم، إلى درجة أن الخارجية الأميركية ذكرت، في بيان لها، أن ديفيد هيل وكيل الشؤون السياسية في الوزارة طلب، عبر اتصال هاتفي، بنائب وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، تدخل الرياض لوقف العنف الذي يمارسه المجلس العسكري بحق المدنيين. بل يتردّد إعلاميا أن واشنطن ستعقد قمة في برلين في 21 يونيو/ حزيران الحالي، بمشاركة الدول الأوروبية المعنية، ومنظمات الاتحاد الأفريقي ودول هيئة الإيغاد، فضلا عن السعودية والإمارات ومصر، للتوصل إلى اتفاق سياسي بين الجانبين.
إذا واشنطن لا ترغب في الانحياز للخيار الشعبي، بدليل عدم وصفها ما يحدث في السودان منذ 11 إبريل/ نيسان بالانقلاب، على الرغم من أن الأمر لن يضرها كثيرا، خصوصا أنه لن يترتب عليه قطع المعونة الاقتصادية، أو حتى المساعدات العسكرية الموقوفة أساسا بسبب استمرار وضع السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب. بل هناك تحليلات، ترى أن واشنطن كان يمكنها استخدام هذه الورقة للضغط على الطرفين للتوصل إلى تسوية سياسية. وهناك ورقة ضغط أخرى، تتمثل في التلويح بالرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية على السودان. ومن شأن الخطوتين أو الورقتين، استئناف المساعدات الاقتصادية، وليست الإنسانية فقط، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في السودان، وخروجه من العزلة الدولية، وهي الأوضاع التي كانت أحد أسباب تفجر مظاهرات ديسمبر/ كانون الأول 2018.
الخلاصة أن واشنطن لا ترغب في لعب دور فاعل في الحالة السودانية، خشية غضب حلفائها العرب، لكنها اضطرت للظهور الدبلوماسي تفويتا للملامة الدولية... تدخل من دون فاعلية، ليس بسبب نقص القدرات والإمكانات، ولكن بسبب عدم الرغبة، ولقواعد المجاملة أيضا.