أميركا وإيران النووية

06 ابريل 2015
الصورة

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، واقتحام طلاب إيرانيين السفارة الأميركية في طهران، والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يشوبها العداء، فأيديولوجيا النظام الإيراني أعلنت العداء مع أميركا، والأميركيون لم يقبلوا بالتحول السياسي في إيران بعد إطاحة الشاه، ومنذ اقتحام سفارتهم، عملوا على محاصرة طهران بشتى الوسائل. الحديث الآن يدور حول صفحة جديدة في العلاقات الأميركية الإيرانية، بعد الاتفاق على المبادئ الأساسية لتسوية الملف النووي الإيراني، في لوزان، وتصل التكهنات إلى نشوء تحالف جديد بين إيران والقوى الغربية، وفي مقدمتها أميركا، لكن مراجعة مسار المفاوضات، وصولاً إلى تسوية لوزان، يدفعنا إلى وضع الأمور في حجمها الطبيعي، بعيداً عن المبالغات الإعلامية.

ينشغل المحللون بمعرفة من فرض شروطه على من في نهاية المطاف، ومن المهم هنا العودة إلى مسار المفاوضات لمقارنته بالنتيجة النهائية. بدأت المفاوضات حول الملف النووي الإيراني عام 2003، بمحادثات بين ثلاث دول أوروبية، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، مع إيران حول برنامجها النووي، وكان المطلب الأساسي، في ذلك الوقت، منع إيران من تخصيب اليورانيوم، لكن المحادثات تطورت، وتحولت عام 2006 إلى محادثات مع دول (5+1)، وتوالت العروض المتبادلة من هذه الدول ومن الجانب الإيراني، لكن المسألة انتهت، بحسب الاتفاق، إلى الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم وتخزينه على أرضها، وهي المسألة التي كانت محل شد وجذب 12 عاماً، تحول خلالها الرفض الغربي للتخصيب إلى موافقة عليه في دولة ثالثة، ثم جاءت المبادرة التركية البرازيلية عام 2010، لتعرض التخصيب في إيران والتخزين في تركيا، وإمداد إيران بنسبة معينة مما يخزن في تركيا، وانتهى الأمر، في الاتفاق الأخير، بالقبول بالتخصيب والتخزين في إيران.

كسبت إيران مسألة التخصيب، وأيضاً، احتفظت بستة آلاف جهاز طرد مركزي، بعد أن كان مرفوضاً إبقاؤها على جهاز طرد مركزي واحد في بداية المفاوضات، وهي، الآن، دولة تملك التقنية النووية، والمقصود بامتلاكها امتلاك القدرة على إنتاجها وتصنيعها. وبحسب الاتفاق النووي، تحتاج إيران إلى عام، لتحصل على ما يكفي من المواد الانشطارية، لإنتاج سلاح نووي واحد، أي أنها دولة على "العتبة النووية" باعترافٍ دولي. المكسب المهم بالنسبة لطهران، هو رفع العقوبات المفروضة من مجلس الأمن، والعقوبات الأميركية، المتعلقة بالملف النووي، حيث ستتمكن إيران من جذب الاستثمارات، وبيع النفط، وتحسين وضعها الاقتصادي. لا بد، أيضاً، من ملاحظة خلو الاتفاق النووي من أي مقايضات، بخصوص الملفات الإقليمية، وهو ما يغضب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يريد ربط التسوية النووية بتنازلات إيرانية في الإقليم، تطمئن إسرائيل، أو على الأقل باعترافٍ إيراني بحق إسرائيل في الوجود.

في المقابل، نجحت القوى الغربية في رسم حدود للبرنامج النووي الإيراني، وانتزاع تنازلات من طهران، منها وضع سقف لتخزين اليورانيوم، إذ وافقت إيران على خفض مخزونها من اليورانيوم المخصب من 10 آلاف كيلوغرام إلى 300 كيلوغرام، كما أن أميركا وحلفاءها ضمنوا عدم وجود سلاح نووي، غير السلاح النووي الإسرائيلي في المنطقة، بغض النظر عن رغبة إيران، أو عدم رغبتها، في إنتاجه، كما أن توقيع إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يضعها أمام آليات تفتيش ومراقبة دقيقة، إضافة إلى توقف نمو البرنامج النووي الإيراني عن الحد المسموح به في الاتفاق، في السنوات العشر المقبلة.

يستفيد الإيرانيون من رفع العقوبات، خصوصاً التي فُرضَت بقرارات من مجلس الأمن الدولي. لكن، هناك عقوبات أخرى تفرضها الولايات المتحدة، المتحكمة بالتدفقات المالية العالمية، على إيران، تحت عناوين مختلفة، منها حقوق الإنسان، ودعم "الإرهاب"، وبرنامج الصواريخ البالستية، وهي عقوبات مستمرة، ويمكن لأميركا أن تعيد إدراج عقوباتٍ متعلقة بالملف النووي، تحت هذه العناوين لاحقاً، ما يجعل رفع العقوبات بشكل نهائي أمراً غير مضمون، خصوصاً مع حدوث توترات أميركية-إيرانية حول ملفاتٍ مختلفة.

حصدت إيران اعترافاً عالمياً بها دولةً تملك التقنية النووية وتنتجها، واعترافاً أميركياً ضمنياً بشرعية نظامها الذي لم تعترف به منذ قيام الثورة الإيرانية، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، غير أن هذا لا يعني سوى انتقال إيران من خانة الدول "المارقة" التي تشمل كوريا الشمالية إلى خانة الدول "المنافسة"، مثل روسيا والصين، والتي تختلف معها أميركا، لكنها قد تتفاهم معها لفض اشتباكات أو منازعات في أماكن مختلفة، ما يعني أن حالة العداء بين البلدين ستظل قائمة، وهما لن يتحولا إلى حليفين، خصوصاً وأن التسوية تُعنى فقط بالملف النووي، وأن الاشتباك قائم في ملفات أخرى عديدة. لذلك، تبدو المبالغة في الحديث عن آثار الاتفاق النووي، في غير محلها، لجهة العلاقة بين أميركا وإيران، لكنها، بالتأكيد، تؤثر على مكانة إيران والاعتراف بها، ضمن النظام العالمي.

أثمرت المفاوضات الطويلة اتفاقاً، قال عنه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إنه أفضل من خيار الحرب، لكن هذا الاتفاق لن ينهي اشتباكاً أميركياً-إيرانياً معقداً، في ملفات عديدة.

تعليق: