أمراء "داعش".. 3 مؤهلات لـ"المبايعة"

15 أكتوبر 2014
الصورة
مقاتلون إسلاميون في دير الزور(فرانس برس/Getty)
+ الخط -
"العشائرية، الجهل، حب السلطة"، ثلاثة مؤهلات لا بد من توافرها في أمراء تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً بـ"داعش".المؤهلات السابقة تظهر بوضوح في محافظة دير الزور أكبر مدن الشرق السوري، والتي غير التنظيم اسمها بعد سيطرته الكاملة عليها إلى "ولاية الخير".

في دير الزور استحدث التنظيم تقسيماً إدارياً جديداً للمحافظة يقوم على القطاعات أو النواحي، تتكون الناحية من 7-17 قرية، يتم تعيين أمير على كل قطاع يتبع "والي" المحافظة، وبدورهم يتبع الولاة لسلطة قائد التنظيم أبو بكر البغدادي.

لم يضمن التقسيم السابق وحدة المحافظة نفسها جغرافياً فتبعاً للتقسيمات الجديدة باتت مدينة "البوكمال" الحدودية السورية والتي تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات تتبع لمحافظة "الموصل" في العراق، كما أصبحت بعض المناطق من ريف دير الزور الشرقي تتبع لحمص.

إضافة لقادة القطاعات، يوجد "أمراء" آخرون يعينون لتسيير المسائل المالية ضمن كل قطاع، يسمون "الأمير المالي". على الرغم من تعدد الأمراء فهناك شخصيات إشكالية برزت في دير الزور بسرعة خيالية، ولم يكن اختيار التنظيم لها من فراغ.

الوتر العشائري

يشكل المهاجرون من مختلف دول العالم، ممن يقاتلون مع تنظيم الدولة، الصف الأول في جسم التنظيم، بينما تطغى الجنسية العراقية على قياداته من "أبي بكر البغدادي" إلى مهندس عمليات التنظيم والعقل المدبر "حجي بكر"، الذي قتل في الفلوجة منذ أشهر، ثم تولى منصبه أبو علي الأنباري "أبو أحمد العلواني" كأحد قادة التنظيم.


ويبدو أن التنظيم وخلال توسعه في سورية، اعتمد على أبنائها ممن بايعوه كقادة ميدانيين للعمل العسكري، بينما تبقى أمور التخطيط ضمن المهاجرين، ويتم اختيار هؤلاء القادة وفق سياسة يتبعها التنظيم في كل منطقة، فمن يتعرف إلى الأشخاص الذين يقودون تنظيم الدولة في سورية، وأسلوب اختيارهم يستطع أن يفهم جزءا كبيراً من سياسة التنظيم في المنطقة.

تحولت قرية "جديد عكيدات" في الريف الشرقي من دير الزور، إلى معقل للتنظيم، وخصوصاً في صراعه مع جبهة النصرة. ينحدر من هذه القرية رجل يدعى "عامر الرفدان"، كان يسكن مدينة دير الزور قبل الثورة، وتحديداً حي "الجورة"، ليعود بعد اندلاع الثورة إلى "جديد عكيدات"، يعرف عن عامر أنه غير متعلم ولا يوجد عنده علم شرعيً، كما يشاع أنه غير ملتزم دينيا ويعمل في تجارة التهريب، وهو أيضا معروف بأنه قليل الكلام يتمتع بكاريزما المقاتل، وبشراسته الشديدة في القتال.

بدأ عامر كعضو عادي في جبهة النصرة، ثم انتقل إلى "داعش" بحثاً عن طموح أكبر، فتم تعيينه كأمير "قطاع"، ثم ترقيته لوالي دير الزور بصعود صاروخي أي (محافظ للمدينة كاملة)، ولكن السؤال هنا ما الذي يدفع تنظيم الدولة لاختيار شخص مماثل ليتم تعيينه واليا لدير الزور، ومن ثم ترقيته اليوم كعضو في مجلس شورى التنظيم؟.

عن أسباب اختيار "داعش" لشخصية "عامر الرفدان"، يتحدث أحد المقربين منه لـ"العربي الجديد" مسترجعاً حادثة في عام 2012 يعتقد أنها تفسر الموضوع ويقول : " في تلك الفترة تم تعيين أمير يدعى "أبو قتادة" على منطقة صغيرة من ريف دير الزور، و"أبو قتادة" من قرية صغيرة اسمها " طابية جزيرة" تسكنها عشيرة "مسالمة"، قتل أبو قتادة إثر خلاف مع فصيل مسلح من الجيش الحر في منطقة "المحلج"، لكن المفارقة أن "داعش" لم تحرك ساكنا والتزمت الصمت لأن الفصيل الذي قتل الرجل يتبع لإحدى العشائر الكبيرة في دير الزور، فلم يستطع التنظيم أن يفتح جبهة كبيرة عليه، وسكت على قتل أمير مهم لديه خصوصا ان أبو قتادة يكنى بـ" أسد الله" إشارة لشدة بأسه في القتال.

المصدر - الذي رفض ذكر اسمه - قال"يبدو أن تنظيم الدولة أدرك أنه أخطأ عندما أتى برجل من أقلية عشائرية وعينه كأمير، لذلك جاء تعيين "عامر الرفدان" رغم أنه لا يتمتع بسمعة حسنة إلا أنه أحد أبناء عشيرة "العكيدات"، وهي أكبر العشائر في دير الزور كما أنه من فخذ ضمن هذه العشيرة يسمى " البكيّر"، وهم أناس يعرف عنهم في دير الزور تاريخياً أنهم أهل قتال وأفرادها معتدون بأنفسهم جداً".

توزع فخذ البكير ضمن الجيش الحر على 3 ألوية مقاتلة وهم "لواء الأحواز"، "القادسية"، "عبد الله ابن الزبير"، وبعد دخول داعش قام لواء الأحواز بمبايعة كتائب "أحرار الشام" لقتال داعش، بينما الفصيلان الآخران التزما الحياد.

وهذا ما يفسر تقديم شخصية عامر الرفدان، كفرد من عشيرة قوية، إذ يسعى التنظيم من خلال تعيينه إلى جر الجزء الأكبر من العشيرة نحوه، أما من فشلوا باستمالته منهم لصفوفهم فيلتزم بالحد الأدني الحياد ولا يقاتل أولاد عمومته في الطرف الآخر، وبالفعل استطاع التنظيم وعلى رأسه "عامر الرفدان" أن يجر أكثر من نصف عشيرة "البكيّر" إلى صفوفه، والتي يتوزع سكانها في ريف دير الزور الشرقي على 15 قرية.

ولاية البوكمال

منذ بداية عسكرة الثورة في دير الزور لمع نجم رجل يدعى "صدام الجمل" والذي يلقب بصدام "الرخيتة"، حمل صدام السلاح ضمن فصائل الجيش الحر، ثم أسس لواء كبيراً معروفاً باسم لواء "الله أكبر"، برز دور الرجل في تحرير "مطار الحمدان" في البوكمال من قوات النظام، والذي تم على يد لوائه وألوية أخرى من الجيش الحر.


ينحدر صدام الجمل من مدينة "البوكمال" من عائلة تدعى " النادر" وهي أسرة هاجرت من مدينة "عانة" في العراق والتي تقع غرب مدينة الرمادي العراقية إلى البوكمال السورية منذ أكثر من 100 عام، وكان  الجمل مدعوماً من هيئة الأركان والمجالس العسكرية ضمن الجيش الحر بشكل كبير، ويرجع ذلك إلى أنه شخص بسيط غير مؤدلج ولا ينتمي إلى أي تيار ويمتلك عددا كبيرا من المقاتلين، ونتيجة علاقته مع قيادة الأركان وجهت له "جبهة النصرة" اتهاماً بأنه وقع مع الرائد "ماهر النعيمي" والمجالس العسكرية وثيقة تنص على قتال الكتائب الإسلامية، وإثر هذا الاتهام قامت النصرة بتفجير منزله، واغتيال أخيه الأصغر، وتم تصوير عملية الاغتيال وبثها على موقع "اليوتيوب".

في هذا الوقت دخل تنظيم الدولة على الخط، وحاول استمالة صدام مستغلاً قتل أخيه على يد جبهة النصرة، فكان أن بايع الجمل التنظيم مع كامل أعضاء لوائه وعتاده العسكري، وتم تعيينه أميرا ضمن التنظيم، فقاد "صدام الجمل" الهارب من حضن هيئة أركان الجيش الحر كل عمليات التنظيم في السيطرة على مدينة البوكمال والقرى التابعة لها، نتيجة معرفته بجغرافية المنطقة وتفصيلاتها العشائرية ليصبح اليوم واليا على المدينة.

الجمل (40 عاما) يعرف عنه أنه رجل أمي، كان يعمل في التهريب بين العراق وسورية ضمن مدينته الحدودية البوكمال، ويؤكد بعض قادة الجيش الحر ممن خاضوا معه معركة تحرير مطار الحمدان أنه هو من باع صواريخ " الكوبرا" التي تمت السيطرة عليها ضمن المطار إلى النظام، كما يؤكد أشخاص مقربون منه أن صدام غير مستقر نفسياً.

من اليمين أبو عمر الشيشاني وعامر الرفدان

 

القورية

عرفت قرية "القورية" التي تقع في جنوب شرق دير الزور منذ بداية الثورة السورية بحراكها الضخم سواء في النشاط السلمي منذ البداية، أو في العمل العسكري بعد حمل السلاح، حيث تشكل ضمن القرية لواء معروف باسم " القعقاع" وهو من أقوى الألوية المقاتلة في محافظة دير الزور.

كان اللواء تحت قيادة  علي مطر، والذي قتل بظروف مجهولة، واتهم بقتله أهالي قرية "العشارة" المجاورة لـ"القورية"،  فتولى زمام الأمور شقيق علي  مطر الذي قام انتقاماً لأخيه بقصف قرية "العشارة" بالدبابات التابعة للواء، واعتقل أشخاصاً منها، ويقال إنه عذبهم بطريقة  أشد من فروع الأمن السورية، وكادت أن تنشب حرب عشائرية في المنطقة لولا تدخل جبهة النصرة لحل الخلاف.

في الأثناء استغل تنظيم الدولة  الأمر مستفيداً من أن محمود مطر من عشيرة ضخمة، ولديه بقايا من لواء القعقاع الذي تفرق إلى مجموعات بعد وفاة أخيه الأكبر، ناهيك أنه ووالي البوكمال، "صدام الجمل" أبناء خالة وبمجرد اقتحام تنظيم الدولة "البوكمال" تحت قيادة "صدام"، قام بعض العناصر التابعين لـ "محمود مطر" برفع أعلام التنظيم ضمن "القورية".

ساعد انتماء الرجل العشائري، وقرابته بأحد عناصر التنظيم، وخلافه مع عشائر في المنطقة في تقديم مطر أميرا في ريف دير الزور.

الشخصيات السابقة اعتمد عليها تنظيم الدولة في مرحلة الحرب مع جبهة النصرة والعشائر  والجيش الحر في سبيل إخضاع المنطقة. لكن بعد نجاحه في السيطرة على دير الزور عمد التنظيم لتغيير استراتيجيته في اختيار الأشخاص، فقام بترفيع بعض قادته من مرتبة أمير إلى "عضو في مجلس شورى التنظيم"، وهذا المنصب يبدو أرقى ظاهرياً ولكنه فعلياً تحجيم لأولئك القادة، كما كان يفعل نظام الأسد عند انتهاء صلاحية أحد القادة الأمنيين، فيقوم بتعيينه سفيرا في دولة معينة أو في منصب فخري يسلبه صلاحياته الميدانية.

 مرحلة الاستقرار

بعد أن استتب الوضع للتنظيم في دير الزور، كثر الحديث بين العامة عن التاريخ "المخزي" لامراء التنظيم، وخصوصاً أن المنطقة تتمتع بطبيعة عشائرية لا تسمح للقصص والحوادث بالنسيان، حاول التنظيم سد الثغرة بترقية هؤلاء العناصر الذين كثر اللغط حولهم وتجميدهم والإتيان بشخصيات أفضل اجتماعياً وهذا ما حدث مؤخراً بتولية " كمال الرجا" الملقب بـ"أبو المنتصر" والياً على محافظة دير الزور خلفاً لـ "عامر الرفدان".

"كمال" من قرية "البريهة" بريف دير الزور الشرقي، مجاز من كلية الهندسة الزراعية في جامعة الفرات، كان متظاهراً سلمياً قبل أن يحمل السلاح، يتحدث أحد مدرسيه في الكلية لـ "العربي الجديد"  قائلا:" عرف كمال بأخلاقه الحميدة على مدى فترة دراسته، وبتعامله الطيب مع أصدقائه، لم يكن له أعداء ضمن الكلية، وإنما كان مسالماً وهادئاً".


في المقابل يقول الشيخ (س. ف) أحد المقربين من كمال الرجا لـ "العربي الجديد":إن " كمال كان ملتزما دينياً ولكن ليس متشدداً، يملك من العلم الشرعي القليل مثل أي شخص عادي، تلقى العلم الشرعي في العامين الماضيين على يد المهاجرين من أعضاء التنظيم، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فقه المهاجرين يؤخذ عليه أنه فقه سجون، إذ تناقله أغلبهم ضمن السجون بظروف فكرية غير صحية، وبالتالي لا يعول عليه شرعاً".

على الرغم من تعيين تنظيم الدولة لكمال والياً على دير الزور لتلافي التاريخ السيئ لمن سبقوه من قيادات، على اعتبار أن كمال مقبول اجتماعياً وذو سيرة حسنة إلا أن "داعش" لم تتنازل عن الأساسيات في اختيار هؤلاء القادة، إذ ينحدر كمال من العشيرة الكبيرة ذاتها التي ينتمي إليها عامر الرفدان (عشيرة العكيدات، فخذ البكيّر)، أي أن التنظيم حافظ على المبدأ في الاختيار مع تغيير الشخصيات. 

مهاجرون وأنصار

إذا كانت سياسة تنظيم الدولة الإسلامية في اختيار قادته ضمن محافظة "دير الزور" مستندة إلى العشائرية والخلافات بين الفصائل فما الذي يدفع هؤلاء الأفراد تحديدا للانضمام إلى "داعش"؟ على الرغم من وجود عدة فصائل مقاتلة إسلامية وغيرها؟.

الإجابة تكمن في انه لا بد من تقسيم عناصر تنظيم الدولة وفقاً لما رأيناه بشكل واقعي في مناطق انتشارهم ضمن سورية خلال العامين الماضيين، وهو ما وثقناه من خلال شهادات حية لضباط من الجيش الحر، وقادة ونشطاء ميدانيين من أبناء مدن (حلب، دير الزور، الرقة).

ضمن التصنيف العام يقع عناصر تنظيم الدولة بين خانتين فهم إما "مهاجرون"( قدموا من دول أخرى للقتال داخل سورية) أو "أنصار" (أهل البلد ممن وقفوا وساندوا التنظيم).

ينقسم المهاجرون إلى 4 أقسام: طبقة القادة الأمنيين وهؤلاء يتسمون بكونهم مجهولين لا يعرفهم إلا قلة في التنظيم، بعيدين عن الإعلام، وهم يتولون مهمات التنظيم والتخطيط.

القسم الثاني هو "أتباع الراية" وهؤلاء من المهاجرين الذين يتبعون الراية السوداء التي يرفعها التنظيم أينما ذهبت، سواء في الشيشان أو العراق أو سورية، كما تغريهم فكرة الخلافة، وغالباً ما يحمل هؤلاء ما يسمى بفقه السجون، أو العلم الشرعي الذي تلقوه في معسكرات تدريب قتالية.

والقسم الثالث يمكن أن نطلق عليه "المهاجر المرتزق" ممن يقاتل مقابل أجر مادي، ولم يلاحظ عدد كبير منهم في تنظيم الدولة ضمن محافظة دير الزور.

أما القسم الرابع فهو المهاجرون المبعوثون، وهم عناصر مخابراتية انضمت للتنظيم لاختراقه ونقل أي معلومات عنه، وهؤلاء اكتشف "داعش" العديد منهم، وكانت آخر حادثة في 23 حزيران، 2014 حيث تم إعدام شاب في الثلاثين من عمره بالساحة العامة في محافظة الرقة، ادعت "داعش" أنه يتبع لأحد أجهزة المخابرات الأوروبية.

أما "الأنصار" من أهل سورية ممن بايعوا وتقلدوا مناصب عالية ضمن التنظيم، فيقعون ضمن عدة أصناف: من بينهم من اعتقد بأن تنظيم الدولة مشروع جديد لإحياء الخلافة، ويندرج في هذا الإطار "كمال الرجا"، ومنهم المرتزق والذي انضم للتنظيم بسبب الرواتب العالية والمكاسب، ويصدق هذا التصنيف في حالة "عامر الرفدان" وقادة آخرين.

أما القسم الثالث وهو الأهم فهو "هواة السلطة"، إذ يشكل "داعش" اليوم في المناطق التي تخضع له سلطة أقرب لسلطة المخابرات والأمن السوري، فيمنح من ينتسب له قدراً كبيراً منها، محققاً لهواة السلطة طموحهم في توليها، إذ يصبح لديهم سلطة لامتناهية على الناس حتى في تطبيق الحدود الإلهية فانضم العديد إلى تنظيم الدولة ممن يصنفون في هذه الشريحة كحالة "صدام الجمل"، و"محمود مطر" وآخرين في التنظيم من أبناء دير الزور.