ألغام داعش... الموت ما زال يهدّد العراقيين

09 اغسطس 2020
الصورة
إزالة ألغام في مدينة بيجي بمحافظة صلاحالدين(صباح أرار/فرانس برس)
+ الخط -

لم ينه تحرير مدن شمال وغرب العراق من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، آلة القتل التي أسسها التنظيم في تلك المدن. وما زالت تقارير عن مقتل مدنيين تصدر أسبوعياً، نتيجة تفجر ألغام وعبوات ناسفة تركها مسلحو التنظيم قبل فرارهم من المدن.  وفي النتيجة، تستمر النكبات والمآسي التي تصيب المدنيين، خصوصاً القرويين منهم. ويؤكد مسؤولون في وزارة الداخلية العراقية لـ "العربي الجديد" أن تركة داعش من المتفجرات تقتل أسبوعياً ما لا يقل عن خمسة عراقيين وتصيب آخرين بمعدل ثابت منذ مطلع العام الحالي. 
واعتمد داعش، خلال احتلاله المدن، ما عرف آنذاك بسواتر النار، إذ زرع ألغاماً وعبوات ناسفة حول المدن لعرقلة تقدم القوات العراقية إليها خلال عمليات التحرير، إضافة إلى الأحياء السكنية والمناطق الزراعية.
ومضى على إعلان تحرير العراق من داعش نحو ثلاث سنوات، وما زال ملف المناطق المحررة يُعرقل لأسباب سياسية وأمنية وعمرانية، بسبب الخلافات بين الجهات التي تسعى إلى السيطرة على تلك المناطق، بما في ذلك إزالة المخلفات الحربية ومنها العبوات والألغام، على الرغم من إعلان تطهير بعض المدن. ولم تتوقف الخسائر البشرية التي طاولت الفقراء والفلاحين والمزارعين والأطفال والنساء. 
وأخذت منظمات دولية على عاتقها سدّ النقص في ظل غياب الخطط الحكومية لحل المشكلة، كما انتشرت في أرجاء العراق مراكز تأهيل بتمويل ياباني وبريطاني، وباتت تقدم خدماتها للمصابين مجاناً. إلا أن المشكلة تكمن في الإهمال الحكومي. كما أن الفساد المالي والإداري يؤثران على استكمال رفع الألغام في تلك المناطق.


فساد
في هذا السياق، يقول مسؤول عراقي رفيع المستوى في وزارة الداخلية، إن استمرار إزهاق أرواح مدنيين بسبب الألغام المتروكة في المدن المحررة تقف وراءه أسباب عدة من بينها الفساد في عمليات إحالة عقود لعدد من المنظمات تمت وفقاً للمساحة، بمعنى محاسبة العاملين في رفع الألغام بحسب المساحة (لكل كيلومتر مربع يتم تطهيره يدفع لهم)، إضافة إلى قلة الخبرة.

ما زالت أحياء في نينوى والأنبار وصلاح الدين غير جاهزة لاستقبال أهلها


يضيف أنه من آخر ضحايا الألغام كانت أم وأطفالها الثلاثة خلال رعي المواشي في نينوى، وقد قضوا بعبوة ناسفة غرب الموصل. والعبوة من مخلفات داعش في منطقة أعلن عن تطهيرها وخلوها بالكامل من المتفجرات.
ويحصل العراق على مساعدات من دول عدة لمواجهة مشكلة الألغام ومخلفات الحرب، وتحديداً من الولايات المتحدة الأميركية. وذكر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مطلع عام 2018، أن بلاده قدمت 160 مليون دولار لإزالة الألغام من العراق، منها 70 مليوناً خصصت لمحافظة نينوى، فيما أكدت وزارة التنمية الدولية البريطانية أنها نجحت في مساعدة العراق من خلال إزالة نحو 16500 كيلوغراماً من المتفجرات، و800 حزام ناسف، إضافة إلى 2000 من الفخاخ المتفجرة، حتى نهاية عام 2018. 
علياء هاشم (43 عاماً) فقدت زوجها وابنها البكر، وأصيبت ابنتها التي باتت تعاني من إعاقة دائمة من جراء انفجار لغم من مخلفات داعش خلال عمل زوجها وابنيها في مزرعتهم بعد عودتهم إليها، في قرية الفتحة شمال الموصل. تقول لـ "العربي الجديد" إنهم نجوا من كمائن ومواقف مميتة طوال سنوات الحرب والنزوح، واعتقدوا أنهم نجوا بأنفسهم بعد عودتهم إلى قريتهم إثر تحريرها من داعش، لكن لعنة داعش التي زرعها بالأرض كانت في انتظارهم.
تشرح هاشم أنهم كانوا يحاولون شق قناة مياه بعد حفر الأمم المتحدة بئراً قريباً. وخلال الحفر، انفجر لغم من ألغام داعش ما أدى الى وفاة زوجها ونجلها وإصابة ابنتها، التي كانت على مقربة منهما، بساقها، واضطرت إلى بترها في وقت لاحق. 
تصف حالها قائلة: "تمنيت لو أنني بقيت في خيمة في الصحراء طول العمر كنازحة، ولم أفقدهما بعد عودتي بأسابيع".

وإلى جنوبي الفلوجة، حيث بلدة النعيمية، قتل خمسة تلاميذ في مدرسة ابتدائية بينهم ثلاثة أشقاء نهاية ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، من جراء انفجار لغم خلال ذهابهم إلى المدرسة. ويقول محمد الجميلي، وهو من أقرباء أحد الأطفال الضحايا، إنه في صدد رفع دعوى قضائية على من أعلن خلو المنطقة من الألغام، وسمح للناس بالعودة وممارسة حياتهم، فقد خدعهم وتسبب بمقتل أطفال. يضيف لـ "العربي الجديد": "بين حين وآخر، نسمع انفجارا ويسقط ضحية أو إثنتان. المنطقة ملغومة بالمتفجرات ولم ترفع بالكامل وصرنا نعلّم أطفالنا ونساءنا المشي على طريق مدروس مشى عليها أناس قبلهم، إنُ لم يكن هناك بد من المشي على طرقات معبدة". 

مدن غير جاهزة لاستقبال أهلها
في مستشفى الرمادي الذي افتتح قسماً لتركيب الأطراف الصناعية، يقول علي الدليمي لـ "العربي الجديد": "غالبية الضحايا الجدد اصطادتهم ألغام داعش ومخلفاته الحربية"، مضيفاً أن "الأمر يتطلب جهوداً كبيرة وأجهزة كاشفة وإطلاق فرق تفتيش أخرى في المناطق المحررة"، معتبراً أن "موسم الأمطار الأخير كشف عن الكثير من الألغام أيضاً".
في هذا السياق، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي بدر الزيادي، إن "بعض المناطق العراقية التي وقعت تحت سيطرة داعش، ما زالت تعاني من مشاكل كثيرة، منها التأخر في إعادة الإعمار وتعويض الأهالي وعودة النازحين، إضافة إلى المشاكل البيئية منها الألغام التي عمل على نشرها داعش". ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "الجهود العراقية وبمساعدة دولية لم تنه المعاناة. ما زلنا نسمع بين فترة وأخرى عن انفجار عبوات وألغام يقع ضحيتها مواطنون أبرياء، فإما أن تتسبب بمقتلهم، أو تعرضهم لتشوهات وأحياناً بتر الأطراف".

تعمل الأمم المتحدة على وضع استراتيجيات للتخفيف من المخلفات المتفجرة


يتابع الزيادي: "التأخير في عملية تطهير المدن المحررة من مخلفات الحرب يتطلب جهوداً إضافية ودعماً مالياً وخبرات دولية في هذا الشأن، فقد مضت سنوات على التحرير وما زالت بعض الأحياء في نينوى والأنبار وصلاح الدين غير جاهزة لاستقبال أهلها الذين نزحوا خلال الحرب". ويلفت إلى أن "المؤسسات البيئية والعسكرية في العراق في حاجة إلى مزيد من التنسيق مع الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بشؤون الألغام إضافة إلى المنظمات الصحية والبيئية الدولية الأخرى، من أجل التعاون لتأمين بيئة آمنة للعراقيين الذين تضرروا من الحرب".
من جهته، يقول العقيد المتقاعد في الجيش العراقي السابق، فاضل جمعة، وهو عضو في منظمة تطوعية إنسانية معنية بشؤون رفع الألغام ومخلفات الحرب في المدن المحررة شمال وغربي العراق، إن ما لا يقل عن 200 عراقي قتلوا منذ مطلع العام الماضي 2019، من جراء الألغام والعبوات الناسفة في مدن مختلفة، فيما أصيب مئات آخرون". ويوضح أن نينوى وصلاح الدين احتلتا الصدارة في عدد الضحايا، وهم في الغالب مدنيون من سكان قرى وأرياف سقطوا خلال الرعي أو العمل في أراضيهم. كما سقط أطفال، لافتاً إلى أن "عدداً من أفراد الأمن والمتطوعين قضوا أيضاً خلال عملهم برفع الألغام في الفترة ذاتها".
أما المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء تحسين الخفاجي، فيؤكد لـ "العربي الجديد" أنّ الفرق العراقية المختصة تواصل عملها في رفع الألغام من جميع المناطق التي شهدت احتلالاً من عصابات "داعش". وأوضح أن الأمر ليس من مسؤولية وزارة الدفاع، بل مديرية شؤون الألغام التابعة لوزارة البيئة، التي دُمجت أخيراً مع وزارة الصحة.


نقص الخبرات
يؤكد مصدر من المديرية المعنية رفض الكشف عن اسمه  (غير مخول بالتصريح)، لـ "العربي الجديد": المشكلة الوحيدة التي تُعيق عدم استكمال رفع كل الألغام من المدن المحررة هي نقص الخبرات المحلية"، موضحاً أن "المديرية خاطبت مراراً الحكومة العراقية بشأن ضرورة تأمين المزيد من العاملين في هذا القطاع والتعاون من المنظمات الدولية، لتوفير مساعدات مالية وفنية".

 
ويلفت المصدر إلى أن "المشكلة في العراق لا ترتبط بالألغام التي تركها داعش فقط، بل بالألغام والعبوات التي تركتها الكثير من الجماعات الإرهابية، والحروب العراقية خلال العقود الماضية، وإن كان داعش قد فاقم المشكلة". 
وتعمل الأمم المتحدة باستمرار على وضع استراتيجيات للتخفيف من المخلفات المتفجرة، وتساهم بالتعاون مع المديرية في زيادة توعية الأهالي في المدن المحررة حول كيفية التعامل مع الألغام ومخاطرها. 
وفي وقت سابق، أعلن مدير مركز جنيف الدولي للعمليات الإنسانية لإزالة الألغام، ستيفانو توسكانو، أن العراق سيكون خالياً من الألغام بحلول عام 2028، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع وكيل وزارة الصحة العراقية كاميران حسن،  في العاصمة بغداد. وقال توسكانو: "هناك تحديات تتعلق بالكشف عن أماكن حديثة تتواجد فيها الألغام". أما حسن، فأكد أن "الوزارة سلّمت المركز الدولي لإزالة الألغام إحصائيات عن الألغام، وخارطة تواجدها في المدن العراقية، وتأتي في الدرجة الأولى مدينة الموصل، خصوصاً المنطقة القديمة". 
واعتبر أن الألغام والقنابل غير المنفجرة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه السلطات العراقية لإعادة النازحين إلى المناطق المحررة شمالي البلاد، خصوصاً في محافظتي نينوى وكركوك (شمال)، بعدما أعلن العراق في أواخر 2017 هزيمة داعش في البلاد، والذي كان يسيطر على مساحات شاسعة من البلاد منذ يونيو/ حزيران 2014. 
إلى ذلك، يقول الضابط في الشرطة العراقية من مدينة الأنبار، قصي العيساوي، إن "مديرية مكافحة المتفجرات التابعة لوزارة الداخلية تواصل عملها، ولم تتوقف منذ إعلان تحرير المحافظة من سيطرة داعش. لكن ما نلاحظه أن الفرق المختصة في هذا المجال قليلة وإمكانياتها محدودة، وتنتقل إلى محافظات أخرى للهدف نفسه، ما يساهم في تأخير إزالة كافة الألغام". ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "أعداد ضحايا الألغام حالياً ليسوا بحجم الأعداد التي كانت عام 2018، نظراً للتقدم في عمليات التطهير، وغالبية الذين تعرضوا لانفجارات ألغام من المزارعين والأطفال أصيبوا بإعاقات دائمة".

المساهمون