ألغام الإجماع الفلسطيني

06 سبتمبر 2020
الصورة

لا يمكن التقليل أبداً من مشهد الإجماع الفلسطيني الذي خرج بعد بيان اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية الذي عُقد الأسبوع الماضي بين رام الله وبيروت. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التسليم بأن الخطوة التي حصلت، وهي فريدة من نوعها، تعني أن الإجماع الفلسطيني الفعلي تحقق على الأرض، وأن كل العقبات التي كانت تعتري الوحدة باتت خلف ظهورنا، وخصوصاً أن الكثير من الألغام لا تزال تعتري طريق تمتين هذا الإجماع، وهي وردت في البيان الختامي نفسه، وتحتاج إلى تفسيرات لاحقة كثيرة، بداية من فكرة المقاومة الشعبية، وصولاً إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وما يحمله ذلك من بوادر خلافات.

لا شك في أن جمع كل هذه الفصائل في مؤتمر واحد برئاسة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إنجاز كبير، ولا سيما أن بعضاً من الفصائل التي حضرت هي في حالة قطيعة تامة مع السلطة ورئيسها، والأمر ليس حكراً على حركتي حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي يمكن أن يُبنى عليه بشكل كبير، خصوصاً أن التحدّيات التي تواجه القضية الفلسطينية في المرحلة الحالية باتت مصيرية، انطلاقاً ممّا يُسمى صفقة القرن، إلى حالات التطبيع العربية بقيادة الإمارات، وما يمكن أن يأتي خلفها من علاقات دبلوماسية تضرب بشرط قيام الدولة الفلسطينية عرض الحائط. 

في ظل تحديات كهذه، لا يمكن أن يكون هناك مكان للحسابات الفصائلية الضيقة. هذا ما يفترض أن يكون قد تم التوافق عليه خلال الاجتماع النادر، وهذا ما يؤمل أن يجري الرهان عليه في الخطوات الفلسطينية اللاحقة للمؤتمر، وألّا يذهب البيان الختامي إلى أدراج اللجان، ويتحول المؤتمر إلى مجرّد استعراض فولكلوري لا يعوَّل عليه، مثلما تحولت كل المؤتمرات السابقة للفصائل أو لمنظمة التحرير.

لا بد أن تكون الخطوة اللاحقة للمؤتمر، إتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، بل كان من المفترض أن يكون الإنجاز الأساس للمؤتمر هو هذا الأمر، وعدم رمي الملف إلى اللجان التي لا نعرف متى من الممكن أن تجتمع، ومَن هم أعضاؤها، وقد نصّ البيان فقط على: "تشكيل لجنة من شخصيات وطنية وازنة، تحظى بثقة الجميع، تقدم رؤية استراتيجية لتحقيق إنهاء الانقسام والمصالحة والشراكة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، خلال مدة لا تتجاوز خمسة أسابيع". من الجيد على الأقل أنه وُضع جدول زمني لهذه المهمة، وهو ما يجب أن يكون محل متابعة شعبية، وتشكيل عنصر ضغط على السلطة والفصائل، لالتزام هذا الجدول، وألّا تتحول اللجنة أو الكلام عن إنهاء الانقسام إلى مجرد وسيلة للابتزاز السياسي، كما كان طوال الأعوام الماضية.

ما جرى التوافق عليه في ما يخصّ "المقاومة الشعبية"، يمكن اعتباره مهماً جداً، وخصوصاً مع رفض أبو مازن سابقاً كل أشكال المقاومة، والتركيز على التفاوض. لكن الأهم في هذا السياق، هو الاتفاق على تعريف المقاومة الشعبية، وآليات عملها. إذ إن خيارات المقاومة الشعبية واسعة جداً، والانتفاضة الأولى وحجارتها كانت جزءاً من هذه المقاومة، فهل أبو مازن في وارد دعم مثل هذا التوجه، إذا توافقت عليه الفصائل؟ أم أن الأمر بالنسبة إلى السلطة هو إعادة لما تبنّاه رئيس الحكومة الأسبق سلام فياض، من مقاومة شعبية كانت عبارة عن تظاهرات عند جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية؟ حتى إن "حماس" تعتبر أن مسيرات العودة على خطوط قطاع غزة، جزء من هذه المقاومة الشعبية، فهل يمكن تكرار الأمر في الضفة الغربية تحت أعين السلطة ورجال أمنها؟ مثل هذه النقاط لا بد أن تكون قد أُخذت بالاعتبار حين جرى الحديث عن المقاومة الشعبية، كما كان لا بد من تحديد الآليات المرتقبة لهذه المقاومة، وعدم الاكتفاء بالحديث عن "ضرورة تفعيلها".

من الضروري أن تكون الفصائل كافة، ومعها السلطة، واعية لهذه الألغام التي يمكن أن تهدد الإجماع الفلسطيني، وتعيد التوافق إلى النقطة الصفر.