أكثر من "عسر قراءة" في تركيا

13 يوليو 2016
الصورة
5 في المائة من الأطفال يعانون "الدسلكسيا" (كيريم كوكالار/الأناضول)

الأطفال الأتراك المصابون باضطراب "عسر القراءة" (ديسلكسيا) يعانون من صعوبات كثيرة خلال العملية التعليمية، من بينها نقص حملات التوعية التي بفترض أن تطاول المواطنين بشكل عام والأهل والمدرّسين في المدارس بشكل خاص. وبدلاً من أن يكون للمدرّسين دور في توجيه الأهل، والتشخيص المبكّر للمصابين بإضطراب عسر القراءة، يساهمون في كثير من الأحيان بتفاقم المشكلة.

تشير الإحصاءات العالمية إلى أنّ الأطفال المصابين بـاضطراب عسر القراءة هم خمسة في المائة، علماً أنه يصيب الذكور أكثر من الإناث. وعسر القراءة هو اضطراب تعليمي يتمثّل في صعوبة في القراءة والهجاء، ويختلف عن صعوبات القراءة الناجمة عن أسباب أخرى، مثل المشاكل في النظر أو السمع.

وعلى الرغم من أن قوانين وزارة التعليم التركية تتيح للمدرّسين وضع خطة تعليمية خاصة للذين يعانون من إضطراب عسر القراءة، بما فيها إعفاؤهم من الامتحانات الشفوية والكتابية، إلا أن ذلك لا يتحقّق على أرض الواقع. تقول فاطمة غول، والدة أحمد الذي يعاني من عسر القراءة، إنه كان يقرأ أجزاءً من الكلمة من دون أن يستطيع قراءتها كلها. سألته عن السبب، فأشار إلى أن الأحرف تتحرّك. تشير إلى أنه طفل ذكي لكنه لم يكن قادراً على تعلّم الكتابة والقراءة، وعرفت أنه يعاني من اضطراب عسر القراءة.

تضيف غول: "في الصف الأول الابتدائي، بدأت ألاحظ المشكلة. وعلى الرغم من جميع الجهود، لم يستطع تحقيق أي تقدم في تعلم القراءة والكتابة. كان يخلط بين الأحرف والأرقام، ولا يستطيع التمييز بين حرف اللام والرقم سبعة، وبين حرف الياء والرقم 3. في وقت لاحق، أخبرني أن الحروف تتحرك عندما ينظر إليها، فاعتقدت أنه يعاني من مشكلة في النظر أو السمع، إلا أن كل شيء كان طبيعياً. بحثت على الإنترنت فعرفت أنه يعاني من اضطراب عسر القراءة، فلجأت إلى معالج نفسي".

تلفت غول إلى افتقار المدارس التركيّة لأي دورات تدريبيّة تعرّف المدرّسين بالاضطرابات التي قد يعاني منها الأطفال خلال العملية التعليمية، ما يزيد من معاناة الأطفال المصابين باضطراب عسر القراءة. تقول: "على الرغم من الجهود التي كنت أبذلها مع ابني في المنزل، إلا أن وضعه النفسي بدأ يتدهور، وفقد ثقته بنفسه، وبات يكره الذهاب إلى المدرسة. كان دائماً متأخراً عن زملائه في الكتابة والقراءة في الصف. حتى إنه سألني: هل أنا غبي"؟

تضيف أنها توجهت إلى المدرسة، لتكتشف أن المدرس لا يعرف شيئاً عن مشكلة ابنها، بل إنه يجهل أي معلومات حول هذا الاضطراب. الأمر نفسه تؤكده مليحة أكارسو. تقول إن المعاناة بدأت مع ابنها أوميد في الصف الأول إبتدائي. لم يستطع الاندماج في الصف، وكان المدرّس يستمرّ في عقابه لأنه "كسول". أحياناً، يجعله يقف في إحدى زوايا الصف، أو يطلب منه الخروج. في أحد الأيام، أخبرني أنه لم يعد يرغب في الذهاب إلى المدرسة. قصدت المدرسة فاشتكى المدرّس من كسل أوميد وعدم قدرته على القراءة والكتابة.

تضيف: "استمرّ الأمر هكذا لأشهر ولم أعرف ماذا أفعل. اقترح عليّ أحد أقاربي الذهاب إلى أحد مراكز الأبحاث والإرشاد التابعة لوزارة التعليم، لأكتشف أن ابني يعاني من اضطراب عسر القراءة". تطالب أكارسو المعنيين في قطاع التعليم بتوعية المدرّسين، مؤكدة أن مركز الأبحاث والإرشاد التابع للوزارة لم يستطع أن يقدم لها خدمات لمساعدة أوميد بسبب عدم وجود متخصّصين، ما اضطرها للجوء إلى مركز تعليم خاص.



إلى ذلك، تؤكّد المتخصّصة في مجال التعليم الخاص، وممثلة جمعيّة اضطراب عسر القراءة في مدينة إسطنبول، بتول إرسوي، أن الاضطرابات تظهر لدى الأطفال بأشكال مختلفة، وقبل سن المدرسة، من خلال تأخّر الطفل في الكلام، أو النطق غير السليم، أو استبدال الكلمات بأخرى قريبة منها في اللفظ لكن مختلفة في المعنى، أو الإشارة إلى الأشياء بكلمات أخرى، مثلاً الإشارة إلى التفاح مستخدماً كلمة طماطم أو العكس. وقد يترافق اضطراب عسر القراءة بمشاكل في النظر. لذلك يتوجّب العمل بشكل مكثف مع الأهل لمساعدة الأطفال.

تضيف إرسوي أن الأعراض قد تبدأ حين يشكو الأهل من أن الطفل لا يطيع الأوامر أو لا يفهم ما يطلب منه. الأفعال التي يرتكبها ويراها الأهل حماقات تستوجب العقاب، هي ناتجة عن عدم قدرته على فهم الأوامر. كذلك، يعاني من صعوبات في قراءة تعابير وجه الآخرين. وفي الدراسة، يظهر عسر القراءة من خلال عدم قدرته على القراءة والكتابة، كأن يكتب الكلمات بأحرف ناقصة، والأرقام بشكل معاكس، ويعجز عن التمييز بين الأرقام 3 و6 و9، ويعاني من صعوبة بالغة في أداء عمليات الجمع وحفظ جدول الضرب، وغيرها.

وتشدّد إرسوي على أهميّة أن يتولّى الأطباء النفسيّين التشخيص، لافتة إلى ضرورة التشخيص المبكّر للمرض، والتركيز على نقاط الضعف التي يعاني منها الطفل في دروس خاصة. وتوضح أن عدم كشف اضطراب عسر القراءة قد يستمر حتى مراحل متأخرة، وأحياناً حتى الجامعة، وقد لا يُشخّص على الإطلاق. وتلفت إلى أن البعض يختار ترك الدراسة، فيما يلجأ آخرون إلى استخدام آليات يطورونها بأنفسهم، أو يعتاد آخرون على الأخطاء التي يرتكبونها أثناء القراءة والكتابة.

دلالات