أكتوبر الجزائر 1988: ربيع لم يزهر

08 أكتوبر 2017
الصورة
اعتقلت القوى الأمنية مئات الشباب خلال انتفاضة أكتوبر1988(فرانس برس)
في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1988، كانت الجزائر تجتاز أخطر انتفاضة في مسار الدولة الفتية. لم يكن قد مضى سوى ربع قرن على استقلال البلاد. لكن هذه الفترة كانت كافية لتبلور حركة مطلبية سياسية وشعبية، تزامنت مع تردي الأوضاع الاقتصادية وتقلص مداخيل البلاد من النفط خلال الأزمة العالمية عام 1986، ناهيك عن الفساد الذي كان قد تسرب إلى دوائر الحكم والاقتصاد وبروز صراع حاد داخل السلطة بين تيار المحافظين والإصلاحيين. وأدى ذلك الصراع في النهاية إلى تحكيم الشارع الذي انتفض من دون قائد أو لائحة مطلبية. لكنه نجح في الإطاحة بحكم الحزب الواحد، وفرض تحولات وإصلاحات سياسية أتاحت مناخاً نسبياً من التعددية السياسية والإعلامية في البلاد.

لم تكن "انتفاضة 5 أكتوبر 1988" في الجزائر وليدة نفسها. وسبقتها عدة أحداث وتوترات. فقد كان حاجز الخوف الذي فرضته طبيعة النظام السياسي الذي حكم في الجزائر منذ عام 1962، والذي انبثق من الجيش وأتاح للمؤسسة الأمنية والعسكرية التحكم بشكل كبير في مفاصل الحكم قد انكسر بعض الشيء، نتيجة حراك سياسي ومدني سبق هذه الانتفاضة. وفي إبريل/ نيسان 1980، كانت منطقة القبائل، ذات الغالبية من السكان الأمازيغ، قد شهدت انتفاضة شعبية وحراكاً مطلبياً للمطالبة بالاعتراف بالهوية واللغة الأمازيغية. وكان هذا أكبر تحرك شعبي تشهده الجزائر قبل أكتوبر 1988، أدّى فيه الطلبة والجامعة الدور الأبرز. وتلت ذلك عام 1986، انتفاضة شعبية محدودة في منطقة قسنطينة، شرقي الجزائر، بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية. ومنذ نهاية عام 1987، كان واضحاً أن الجزائر تتوجه نحو حالة من الانفلات، بسبب بوادر الارتباك السياسي للمؤسسة الرسمية في مواجهة تداعيات أزمة انهيار أسعار النفط، وندرة حادة في المواد التموينية، كالزيت والقهوة والسكر والخبز، والطوابير التي كانت تشهدها المحلات والمساحات التجارية من أجل الحصول على القهوة أو الزيت. وبدأ يطغى دور مجموعات تهريب السلع والمواد التموينية التي كانت مرتبطة بشخصيات نافذة في السلطة، في سياق اقتصاد السوق الذي تبنته الجزائر بعد وفاة الرئيس هواري بومدين نهاية عام 1978، وإفلاس عدد من المؤسسات الاقتصادية الحكومية وصعود تيارات سياسية إلى المشهد، خصوصاً في المجال الطلابي والجامعي كالتيار الإسلامي، الذي نجح في عقد أول تجمع له في بداية ثمانينيات القرن الماضي، والتيار الديمقراطي الذي استفاد من هامش بسيط من الحريات أتاحها النظام بعد أحداث الربيع الأمازيغي.


وقال الأستاذ الجامعي، محمد أرزقي فراد، إن "انتفاضة 5 أكتوبر 1988، تشكل منعطفاً تاريخياً في حياة الجزائر المعاصرة، إذ هي نتاج تراكم نضاليّ طويل صنعته أطياف سياسية متعدّدة فاعلة في الساحة، ونتاج تذمّر شعبيّ إزاء الإخفاقات التنموية المتلاحقة، وهناك الربيع الأمازيغي كحراك ديمقراطي بامتياز سنة 1980، ثم تأسيس رابطة حقوق الإنسان سنة 1985، ثم اجتماع لندن في ديسمبر/ كانون الأول 1985، الذي جمع قطبي المعارضة الجزائرية، الرئيس أحمد بن بلة، وحسين أيت أحمد". وأضاف أنه "تمخّض عن اجتماع لندن نداء سياسيّ قوي موجه للشعب الجزائري يهيب به لبناء الديمقراطية". وأشار إلى "نشاط التيار الإسلامي القويّ في عقد الثمانينيات، الذي أقلق السلطة الجزائرية، فلجأت إلى اعتقال بعض رموزه، من دون أن ننسى حراك تيار اليسار القويّ. وهكذا يتجلى بوضوح أن الساحة السياسية كانت تعجّ بنشاط سياسيّ بأشكال مختلفة، بهدف تغيير النظام السياسيّ القائم"، بحسب قوله.

لكن العوامل الداخلية لم تكن وحدها المتحكمة في سيرورة الأحداث في الداخل الجزائري. فالمناخ الدولي كان يشجع أيضاً، لا سيما أن تلك المرحلة كانت تشهد تحولات دراماتيكية في عدد من الدول الاشتراكية التي كانت تحكمها أنظمة شمولية. وتشير بعض المعلومات التي أدلى بها القائد السابق لجهاز الاستخبارات الجزائرية، لكحل عياط، الذي كان يدير الجهاز الأمني حين تفجرت الأوضاع في أكتوبر 1988، إلى أن تقارير بلغت الجهاز عن اجتماع عقد في إحدى دول أوروبا الشرقية، وتتحدث عن الجزائر كأول دولة مرشحة للانفجار الشعبي. لكن هذه المعلومات لم تحدد ما إذا كان الأمر يتعلق بتحليل دقيق للأوضاع واستطلاع عميق لدوائر الحكم في الجزائر، أم أنه جزء من تخطيط يستهدف تحريك المياه الراكدة في البلد النفطي الكبير.

في شهر سبتمبر/ أيلول 1988، كان صراع الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وسياسته الإصلاحية، مع تيار المحافظين قد بلغ ذروته. وألقى الرئيس بن جديد، آنذاك، خطاباً حاداً قبل فترة قصيرة من الأحداث، لمّح فيه إلى تعرضه لضغوط، وطالب الشعب بتحمل مسؤولياته.

وبحسب بعض المحللين والمتابعين لمسار أحداث أكتوبر 1988، فإن تصريحات الرئيس بن جديد كانت الإشارة التي دفعت قوى نقابية إلى بدء التحرك في المدينة الصناعية في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية في 25 سبتمبر. وللمرة الأولى نددت النقابات العمالية بالفساد وبرموز الدولة ورفعت شعارات تتهم المسؤولين بالفساد. لكن هذا الحراك النقابي سرعان ما انتقل إلى شوارع العاصمة الجزائرية. وفي الرابع من أكتوبر، كانت بعض الأحداث والاضطرابات المحدودة قد بدأت تسجل في شوارع العاصمة. لكن الأحداث خرجت عن السياق في اليوم التالي، الخامس من أكتوبر، حين هاجمت مجموعات شبابية المقرات الحكومية والمقرات الإدارية والخدمية والمساحات التجارية ومقرات الحزب الحاكم، إضافة إلى محاولة اقتحام منازل عدد من رموز النظام، في محاولة للانتقام.

ومارس التلفزيون الحكومي تعتيماً إعلامياً على الأحداث، وافتتح نشرة الأخبار الرئيسية بخبر عن حشرة "التسي تسي" التي كانت تتسبب في أوبئة في الكونغو. لكن تعاظم الخسائر وتوسع الأحداث في عدد من المدن الجزائرية، دفعت التلفزيون إلى بث صور عن آثار الاحتجاجات، وركّز على الدعوة إلى الهدوء والحفاظ على الأمن العام، خصوصاً أن قوات الأمن والجيش كانت قد أطلقت النار على المحتجين في العاصمة وفي وهران وقسنطينة. وتحدثت الأرقام الرسمية عن مقتل 500 شخص نتيجة ذلك. كما اعتقلت القوى الأمنية المئات من الشباب قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقاً في سياق إجراءات التهدئة. وتم تعليق الدراسة وغلق المؤسسات التعليمية.

في تلك المناخات الدامية، وقّعت 18 شخصية سياسية جزائرية، بينها عبد العزيز بوتفليقة، بياناً طالبت فيه الرئيس بن جديد باستدراك الوضع وإطلاق إصلاحات سياسية تعزز الحريات العامة. وأعلن بن جديد حالة الحصار وفرض حظر التجول، خاصةً أن الأيام التي تلت الخامس من أكتوبر، شهدت أحداثاً داميةً بعد إطلاق الجيش الرصاص على متظاهرين من الإسلاميين كانوا ينظمون مسيرة وسط العاصمة. وقتل خلالها 43 شخصاً، فيما اعتقل عدد آخر من المتظاهرين الذين تعرضوا لتعذيب أقر به وزير الدفاع السابق خالد نزار. ثم ظهر الرئيس بن جديد على التلفزيون ليعلن عن إصلاحات سياسية وتغيير في الحكومة والحزب الحاكم. وطرح لاحقاً دستوراً ينهي حكم الحزب الواحد ويتيح التعددية السياسية والإعلامية والحريات، بعد استفتاء شعبي على الدستور في 23 فبراير/ شباط 1989. ودخلت بعد ذلك الجزائر مرحلة فوران سياسي طبعه انبثاق عدد كبير من الأحزاب السياسية، وصعود التيار الإسلامي بشكل لافت عبر "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، و"التيار الديمقراطي" عبر حزب "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية". وانتشرت الصحافة الحرة، والنقابات المستقلة، وتقلص هامش الرقابة على الكتب والسينما وحرية التعبير. لكن هذا المسار وهذا المناخ كان يفتقد إلى إطار سياسي ومؤسسات قوية تحمي المسار الديمقراطي من التدافع السياسي العنيف من جهة، ومن التفاف المؤسسة السياسية والأمنية على الربيع الديمقراطي.