أعمال ما بعد التقاعد في تونس

13 يوليو 2017
الصورة
يعمل في تصليح الأثاث (العربي الجديد)
في وقت يفضّل العديد من المتقاعدين الراحة والهدوء بعد سنوات طويلة من العمل، لا يحبّذ آخرون البقاء في المنزل بعد سنّ التقاعد أو التقدّم في العمر، بل يشغلون أنفسهم في مهن وحرف جديدة، يؤمّنون من خلالها مداخيل بسيطة. وتختلف أسباب هؤلاء؛ منهم من يريد تحسين وضعه المعيشي، ومنهم من يرفض فكرة البقاء في المنزل، وبالتالي عدم الدخول في دوامة الملل والاكتئاب.

بعض كبار السن من أصحاب الخبرة يعملون كمستشارين لدى الجهات الحكومية أو القطاعات الخاصة. أمّا الذين لا يملكون خبرات في قطاعات معينة، فيختارون العمل في مهن أو حرف بسيطة، تشغل وقتهم وتؤمّن لهم مداخيل تضاف إلى راتب التقاعد.

كما أنّ سعي بعض المتقاعدين الجدد إلى البحث عن وظائف جديدة مردّها رفض الوقوع في فخ الفراغ القاتل، وهو الهاجس الأكبر بالنسبة للمتقاعدين الذين لا يجدون سوى الساحات العامة والمقاهي وأرصفة الطرقات. في هذا السياق، يقول عبد الرحمن السويسي، الذي قضى أكثر من ثلاثين عاماً في التعليم الثانوي، وأُحيل إلى التقاعد منذ ثلاث سنوات، إنّه اختار الاستمرار في مهنة التدريس بعد تقاعده، وخصّص ركناً في بيته لتدريس تلاميذ الثانوي. يوضح أنّه اختار العمل في تخصّصه الذي أحبّه، مضيفاً أنّه يواصل التدريس ليس بسبب حاجته إلى المال أو رغبة منه في تحسين دخله، بل هرباً من الروتين والملل، خصوصاً أنّ لديه وقتاً كبيراً للراحة خلال العطل المدرسيّة.

يضيف السويسي أنّه بعد التقاعد، بقي عاماً من دون عمل، يقضي أوقاته بين المقهى والبيت وقراءة الكتب. لكنّه بدأ يشعر بالملل، خصوصاً وأنّ أبناءه يمضون وقتهم في الجامعة، كما أن زوجته ما زالت تعمل. هذا الفراغ والشعور بالملل جعله يعود إلى التدريس لكنّ في بيته.

كان صالح حمدي يصلّح طاولة صغيرة وكرسياً بأدوات بسيطة في ورشته التي فتحها منذ أربع سنوات لإصلاح الأثاث. قبل أن يُحال إلى التقاعد، كان يعمل حارساً في إحدى العمارات، ليحصل على راتب تقاعدي لا يتجاوز المائة دولار. لكنّ حبّه لإصلاح الأشياء القديمة وبيعها جعله يفتح ورشة صغيرة في الحي، وأصبحت حرفته الجديدة توفر له مداخيل إضافية تصل إلى 150 دولاراً شهرياً. يقول إنّه سعيد بعمله البسيط الذي أتاح له توفير بعض المداخيل التي ساعدته على تحمّل مصاريف العائلة رغم بساطتها.

من جهته، اختار عبد الله بكوش التجارة بعد سنوات أمضاها في العمل كسائق نقل عمومي، ما أدى إلى إصابته في ظهره وعموده الفقري، فاختار الراحة بعد سنوات من التعب. لكن الفراغ والمكوث في البيت جعلاه يشعر بملل كبير. بعدها، نصحه بعض أصدقائه بفتح محل تجاري صغير قرب بيته، يساعده على تحمّل المصاريف ويشغل وقته في آن. يشير إلى أنّ عمله حرّ، وليس مرتبطاً بوقت محدد، موضحاً أنّه يعمل كلّما شعر بالراحة والقدرة على ذلك. يأتي إلى متجره الصغير كل أهل الحي، خصوصاً من هم في سنه.

أما علي غربي، وهو موظّف تقاعد منذ خمس سنوات، فاختار العمل كسائق سيارة أجرة بين المدن، وبات يتقاضى نحو ألف دولار في الشهر، ما مكّنه من مساعدة أبنائه على مواصلة تعليمهم في الجامعات. فراتب التقاعد الذي يتقاضاه لا يتجاوز 250 دولاراً، وبالتالي لا يكفيه لتأمين مصاريف دراسة أبنائه. غربي الذي قضى حياته موظفاً في مكتب صغير، يقول إنّه سعيد بعمله الجديد الذي جعله يتنقل بين المدن، بدلاً من البقاء في البيت طيلة النهار، إضافة إلى توفير مبلغ يلبّي احتياجات العائلة ومصاريف أبنائه.

إلى ذلك، فإنّ حياة ما بعد التقاعد بالنسبة للمرأة العاملة، تشكّل أيضاً هاجساً يرافقها بعدما قضت وقتاً طويلاً من حياتها على مقاعد الدراسة ثم العمل، لتجد نفسها فجأة وقد باتت متفرّغة فقط لبيتها وعائلتها. في بداية تقاعدها، واجهت سعيدة الهاني صعوبة في البقاء في البيت من دون إنتاج أو عمل، ثمّ قرّرت البحث عن عمل يشغلها ويساعدها على تأمين مصاريف البيت، خصوصاً وأنّ زوجها متوفٍ منذ أكثر من عشر سنوات. اليوم، تعمل في تقطير الزيوت من النباتات، علماً أنها عملت على مدى أكثر من ثلاث سنوات في معمل خياطة. كانت قد تعلمت تقطير الزيوت من جدّتها منذ كانت طفلة. في الماضي، كانت تصنع الزيوت للاستهلاك العائلي، لكنّها وجدت فيه اليوم عملاً مربحاً، بعد إحالتها إلى التقاعد.

المنحة لا تكفي
ساعدت فرص العمل المتقاعدين على التخلّص من الروتين والملل، وفّرت لهم أيضاً باباً جديداً لكسب المال، خصوصاً الذين يشكون من ضعف الراتب، ويتحمّلون مصاريف عائلة وأبناء ما زالوا يواصلون تعليمهم. من جهة أخرى، فإن منحة التقاعد لا تلبي غالباً المتطلبات اليومية للأسرة. وفي ظلّ الأوضاع الاجتماعية الصعبة، بات من الضروري أن يبحث البعض عن أعمال جديدة.
تعليق: