أطفال أميركا وفرنسا لا يلتقون في لبنان

12 سبتمبر 2017
الصورة
تواصل بلغة أجنبية واحدة (حسين بيضون)
كانوا ثلاثة أطفال في السيّارة، أياً منهم لم يتجاوز السنوات الست. الثلاثة يريدون الاستماع إلى الأغنية الإسبانية "ديسباسيتو". اثنان منهم يدرسان في مدرسة إنكليزية، والثالث في مدرسة فرنسية. هذا تفصيل، فما هو ليس تفصيلاً، أن الأطفال أكثر قدرة على التعبير باللغتين الأجنبيتين. وإذا ما التقى طفلان يعرفان الفرنسية، فسيتحدثان بها حتماً. العربيّة ليست ضرورية، وقد تكون محصورة بالجد والجدة فقط، إذا لم يكونا من أصحاب اللغات.

والمشكلة الأكبر تقع حين يلتقي أطفال من مدرستين لغويّتين مختلفتين. كيف يتواصلون؟ العربيّة ليست خياراً لدى كثيرين. الإيماء إذاً. وربّما إذا كانوا في حديقة، لا حاجة لهم إلى الكلام. اللعب يُنقذ الموقف. كما أن بعض الكلمات العربية التي يعرفونها قد تكون كافية.

في أيّ مكان عام، قلّة هم الأهل الذين يتحدّثون إلى أطفالهم باللغة العربية. لم يعد هذا مجرّد إظهار لتفوّق أو قدرات إضافية. فقد تحوّل الأمر إلى قناعة. تسأل أمّ، وهي تجالس أمهات أخريات، خلال عيد ميلاد أحد الأطفال: "ما الحاجة إلى تدريس اللغة العربيّة في المدارس اليوم؟". وليس هذا موقفها فقط، بل إنّ عدداً من الأمهات أيّدن رأيها. ما الحاجة؟ لا شيء. هنّ يحضّرن أطفالهن للسفر إلى الخارج. يرجّح ألّا تكون حياتهم هنا، وإن حصل، فمعظم الشركات تتواصل من خلال اللغات الأجنبية.

دايفيد (4 سنوات) يفهم بعض العربية. إلّا أن التواصل بينه وبين أهله ومحيطه، هو باللغة الفرنسية. ورغم أنّ والديه يجيدان العربيّة، إلّا أنهما قرّرا التركيز على لغة واحدة، حتّى يُتقنها.
- لكنّكما تتقنان العربية والفرنسية؟
- صحيح، لكنّ هذا أفضل له.
وحين يكبر دايفيد، سيتعلّم العربية "الفصحى" في المدرسة. وهذا يكفي ليكون جزءاً من محيطه العربي، هذا في حال كان محيطه كذلك حقاً.

بحسب تقديرات الأمم المتحدة في عام 2014، يبلغ عدد المتحدثين باللغة العربية، كلغة أولى، 279 مليون نسمة، هم سكان الدول العربية، يضاف إليهم 130 مليوناً يتكلمونها كلغة ثانية. وتتوقع الإحصائيات أن تصبح العربية اللغة الأم لنحو 647 مليون نسمة بحلول عام 2050، أي ما يشكل نحو 6.94% من سكان العالم، المتوقع أن يصل في ذلك التاريخ إلى 9.3 مليارات نسمة. تضيف أن اللغة العربية تحتلّ المرتبة الرابعة بعد اللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، وتعدّ من بين الأكثر انتشاراً في العالم.

من جهة أخرى، يشير تقرير عن اللغات المستخدمة على الإنترنت إلى تناقص استخدام اللغة العربية من 1.1% نهاية عام 2012، إلى 0.9% في الشهر الجاري، في وقت زاد استخدام الإنكليزية من 55% إلى 55.4% في الفترة ذاتها.

لماذا اللغة العربية إذا كان العالم يتحدّث الإنكليزية؟ أن تقول "مرحباً" يعني أن تحشر نفسك في بيئة معيّنة لا تُجيد اللغات. وأن يقولها طفل قد يكون أسوأ بكثير. "سافا"؟ (هل أنت بخير؟). وعاديٌّ أن تطرح فكرة باللغة العربية، ليردّ الآخر بلغة أجنبية، وهو يتوقّع منك أن تكون ملماً بها. أنت في ورطة إذاً.

في ما بينهم، يتحدّث بعض المنتمين إلى فئات معينة عن رغبة في تقليد أولئك المنتمين إلى فئات أخرى، الذين تميل نسبة كبيرة منهم إلى التواصل باللغات الأجنبية. تقول ريم، وهي أمّ لطفلين، إن "هذا واقع بدأت تلمسه لدى عائلات كثيرة، من منطلق أنه لا أحد أحسن من أحد". هي التي تحرص على التواصل مع طفليها باللغة العربية، تشير إلى أنها تضطر أحياناً إلى دمج اللغتين الفرنسية والإنكليزية مع العربية. "معظم أصدقائهما في المدرسة لا يتكلمون إلّا الفرنسية. كذلك، أفضّل تجنب إحراجهما في حال التقوا بأطفال يتكلمون الإنكليزية". صحيح أنها لا تنظر إلى الأمر كإحراج، إلا أن طفليها يتضايقان في موقف كهذا.

ريم وغيرها، باتوا مضطرين إلى جعل أطفالهم يواكبون اللغات. نديم (6 سنوات)، الذي انتقل إلى مدرسة جديدة العام الماضي، واجه صعوبة في التحدث إلى أصدقائه في الصف، لأنه لم يعتد التحدث بالفرنسية طوال الوقت. كان يضايقه أنه لا يستطيع بناء صداقات بسبب اللغة، توضح والدته التي تتابع: "يبدو أنه لم يعد محبّذاً أيضاً إهداء الأطفال قصصا باللغة العربية. ما من قيمة في قصص الأطفال باللغة العربية. ولا يتعلّق الأمر بالبحث عن الأفضل. يكفي أن تكون مكتوبة بأحرف لاتينية".

ترى هل يستمع أطفال اليوم لأغنية "ألف باء بوباية" المعروفة للفنان اللبناني شوشو، أم أنها باتت من التاريخ؟ أحد الأطفال الثلاثة الذي كان يردّد أغنية "ديسباسيتو"، سأل عن لغتها. إسبانية، جاءه الجواب. "أهذا يعني أنني أجيد الإسبانية؟".

دلالات