أسعار النفط والصراعات السياسية

أسعار النفط والصراعات السياسية

11 يونيو 2020
الصورة
التوترات في مضيق هرمز تضغط على سوق النفط (geety)
+ الخط -


بسبب الأنباء الواردة عن عزم منظمة أوبك، وكل من روسيا والمكسيك، الاحتفاظ بحجم الإنتاج الحالي الذي اتفق عليه قبل شهرين تقريباً، فقد شهد سعر النفط ارتفاعاً وصل فيه سعر البرنت، يوم الإثنين الماضي، إلى حوالي 43 دولاراً للبرميل الواحد.

وقد بلغ تخفيض الإنتاج الذي أعقب حرب الأسعار بين السعودية وروسيا الاتحادية أكثر من تسعة ملايين برميل في اليوم. وسوف يستمر هذا التخفيض إلى الشهر المقبل (يوليو/تموز).

وبالفعل، فإنها قفزة كبيرة بين 20 دولاراً في نهايات شهر إبريل/نيسان الماضي وهذه الأيام. وحسب الأسعار، فإن خام برنت قد تضاعف، أو زاد بنسبة 100%، بينما نقص الإنتاج العالمي بنسبة العُشر. ولم يأت النقص من دول "أوبك" وحدها، بل ومن دول خارجها، رأت أن التنافس السعري قد أضرّ بها.

وفي المقابل، يجب أن يبقى الحذر سيد الموقف في أسعار النفط، فمنطقة الخليج وشط العرب ما تزال ساخنة، والممرّات المائية الأساسية (خصوصا مضيقي هرمز وباب المندب) معرضةٌ لمزيد من التهديد، بفعل الحرب الباردة الدائرة بين الولايات المتحدة وايران من ناحية، وتردّي الأوضاع في كل من جنوب اليمن (عدن وما حولها)، وفي سوقطره.

وكذلك بسبب التجاذبات البحرية التي تحصل بين آونة وأخرى بين سفن البحرية الأميركية والقوارب الإيرانية في الخليج وبحر العرب. وحتى تهديد الولايات المتحدة ناقلات النفط الإيرانية المتوجهة إلى فنزويلا من السفن البحرية الأميركية تنعكس آثارها على احتمالات التسخين في منطقتنا بين إيران والولايات المتحدة.

وهنالك، كما تؤكد بعض التحليلات، تحرّكات من قوى إقليمية ودولية في منطقة الشرق الأوسط، وفي الدول العربية خاصةً، لها علاقة مباشرة بالرغبة الجامحة لدى هذه القوى لضمان نفوذها في مناطق النفط العربي.

فتركيا التي تدعم حكومة الوفاق في ليبيا، ومكّنتها أخيرا من دحر قوات خليفة حفتر بعيداً عن طرابلس ومنطقة المطار، تسعى الآن إلى السيطرة على منطقة سرت وما حولها. علماً أن هذه المنطقة غنية بالمخزون النفطي.

ويقول المحللون إن تركيا التي تدفع فاتورة نفط سنوية تصل إلى 42 مليار دولار حريصة على تأمين مصادر النفط في الشواطئ الليبية.
ويحلل آخرون أن الوجود العسكري الأميركي في سورية مدفوع كليا (خصوصا في منطقة الحسكة) بالرغبة في السيطرة على مصادر النفط غير المستثمرة هناك، والتي يقدرها بعضهم بأنها من أغنى حقول النفط في العالم. ولا يستطيع الكاتب أن يجزم بصحة هذه المعلومات، وإنما يستخدم المعلومة وفق ما وردت في تحليلات صحفية عالمية.

وهنالك صراع في العراق على الحقول والآبار النفطية في الشمال (كركوك)، وكذلك في الجنوب بالقرب من البصرة. ويقول عارفون بنفط العراق (عصام الجلبي) إن لدى إيران نفوذا كبيرا هناك تستخدمه ورقة تفاوض مع دول الجوار ومع الولايات المتحدة والسعودية.

ومن هنا نرى من ينادي في العراق من الشيعة العرب بضرورة أن ترفع إيران يدها عن هذه المصادر، حتى يتمكّن العراقيون من الاستفادة منها.

وبالطبع، لا ننسى أن الصين، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، قد سعت بجهد كبير خلال العقدين الماضيين للاستثمار في مختلف مصادر الطاقة، الأحفورية منها، أو النفط الصخري، أو الطاقة المتجدّدة. وقد حصلت على امتيازات تنقيب في دول كثيرة في الوطن العربي، وأفريقيا تحديدا.

وكذلك دخلت في اتفاقات مع روسيا لهذه الغاية. وبسبب هذه الترتيبات الصينية، فقدت الولايات المتحدة عنصر ضغط اقتصادي على الصين، ولكن هذا لا يعني أن احتمالات تفاقم الوضع، إن استمر التنافس الشرس بين البلدين، يفضي إلى حربٍ نفطيةٍ، سواء في البحار حيث ينقل النفط، أو في أماكن وجود النفط حيث تستثمر الصين.

ولو أضفنا إلى هذا عنصر التنافس الشرس على حقول الغاز بين المشاطئين للبحر المتوسط، فإن المنطقة مرشّحة لمزيد من الصدام المؤثر على تدفق الغاز، خصوصا أن إسرائيل دخلت على الموضوع بقوة، وتسعى دول، مثل فلسطين ولبنان ومصر واليونان وتركيا، إلى أخذ نصيبها من حقول الغاز الغنية في عرض البحر المتوسط.
هذه المشكلات كلها طغت عليها، في الآونة الأخيرة، جائحة كوفيد - 19، والتراجع في الطلب العالمي، ليس بفعل الفيروس وحده، وإنما بفعل التباطؤ الاقتصادي.

ولا يبدو أن الطلب على الطاقة سيتراجع مدة طويلة، بعدما تصبح الجائحة طي النسيان، حيث يعود البشر إلى سالف عهدهم من الحركة والنشاط واستهلاك الطاقة وبث الغازات في الجو والفضاء كله.

الكل يتصارع على ما لدينا، نحن العرب، بينما نحن نرقب تأثيرات هذا الصراع على ثرواتنا ومستقبلنا.

المساهمون