أسرار فدوى طوقان .. المعلنة

10 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
حين شرع الكاتب الروسي، مكسيم غوركي، في كتابة سيرته، بدأها بالطفولة، ولمّح إلى أنه لا يكتب طفولته الخاصة فقط، إنما سيرة جيل بأكمله. إذن الكاتب حين يستدعي طفولته، فهو يستدعي عوامل كثيرة خارج ذاته، تساهم، عبر التفاصيل والعادات والأحداث، في صياغة مرحلة بأكملها، وتصويرها وتوثيقها. وهذا ما نشعر به، حين نقرأ مذكرات الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان، أم الشعر الفلسطيني كما أطلق عليها محمود درويش، وهي تبوح بتفاصيل طفولتها، وبالتالي تترك وثيقة حيّة مقاومة للمحو، عن الحياة في أرض فلسطين، ضمّها كتابها السير ذاتي "رحلة جبلية – رحلة صعبة".
والعجيب في سيرة فدوى أنه لم يعرف عنها التمرّد، فهي شاعرة رقيقة وعذبة، كما تعرّف موسوعة ويكيبيديا بها. وبالتالي، جاء مضمون السيرة مفاجئا في الكشف عن حجم المعاناة التي عاشتها في طفولتها، حتى أنها حُرمت من إكمال تعليمها المدرسي. ووسط هذه البيئة الضاغطة، وعلى الرغم من رقّة بنيتها الجسدية، أمكن لها أن تتفتّح وتشق طريقها، بمساعدة شقيقها الشاعر إبراهيم طوقان، لكن القدر شاء معاندتها، إذ اختطفت يد المنون مبكرا أخاها إبراهيم.
يكتب الشاعر الراحل سميح القاسم مقدمة لافتة لهذه السيرة، ضمن ما جاء فيها: "سيلقى القارئ نفسه منغمساً حتى أطراف أصابعه في مزيج رائع من وقائع التاريخ ونوازع الروح، مسبوكة برشاقة وشفافية وبوح أليف في كلمات شاعرتنا الكبيرة فدوى طوقان. هذه الإنسانة الشاعرة المنتصبة في حياتنا الثقافية والاجتماعية ظاهرة فريدة وتجربة رائدة على صعيدي الحياة والإبداع معا". كما كتب رجاء النقاش على ظهر الغلاف "لا شك أنها أصدق وأرقى وأجمل مذكرات كتبتها أديبة عربية في هذا العصر، وهي تستحق أن توضع إلى جانب أهم المذكرات المعروفة في الأدب العربي مثل "الأيام" لطه حسين، و"زهرة العمر" لتوفيق الحكيم".
تبدأ الكاتبة سيرتها وكأنما من اللحظة الأولى لولادتها. في هذه الأثناء، تكتب عن ما وعته لاحقا وسمعته، تكتب عن محيط طفولتها قبل أن يتشكّل في وعيها، تقول في هذا السياق: "خرجت من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبلي. أمي حاولت التخلص مني في الشهور الأولى من حملها بي. حاولت وكرّرت المحاولة ولكنها فشلت. عشر مرات حملت أمي، خمسة بنين أعطت إلى الحياة وخمس بنات. كانت سخيةً كأرض فلسطين. ولكنها لم تحاول الإجهاض قط، إلا حين جاء دوري. ولكني بقيت متشبثة في رحمها، تشبث الشجر بالأرض".
وتُسقط مذكّراتها التي تتركز على الذات ومسار الطفولة والنمو أضواء مهمة على الواقع الفلسطيني ما قبل النكبة في العام 1948، بعاداته الحميمية وطقوسه ونفسيات رجاله ونسائه وأطفاله. تكتب في أحد المقاطع متحدثة عن عادة النيروز: "تعرفت على كثير من المباهج الموسمية والأفراح الاجتماعية، كأيام النيروز مثلا. تنطلق العائلات في الصباح الباكر، وقبل طلوع الشمس، إلى المروج وسفوح الجبال، حيث ينعم الناس بالصباحات الربيعية الندّية، وقد حملوا معهم أواني القهوة والشاي وأنواعاً مختلفة من الكعك والجبن والبيض".
كما أن السيرة مليئة بتفاصيل قدّمتها الكاتبة بجرأة وصدق، قاصدة من ذلك الوفاء لأيام الوطن السليب الذي كانت تجري فيه الحياة متدفقة بكل تناقضاتها وجمالياتها وأحلامها وأشواقها وفنونها، قبل أن تفصلها الحركة الصهيونية عن واقعها الحميم وتشتتها في بقاع الأرض، كما حدث لوالدها الذي نفي، هو وأعمامها، بعد النكبة، وما حدث لها لاحقا بعد النكسة في 1967.
يبقى جديرا بالملاحظة أن شاعرة "أعطنا حباً" عاشت ما يمكن تسميتها توأمة شعرية مع شقيقها الشاعر إبراهيم، صاحب قصيدة "موطني" الشهيرة (استخدمت نشيدا وطنيا في غير بلد عربي)، وأنها، بعد رحيله المبكر عام 1941 عن 36 عاما، واصلت رحلتها منفردة، وشقت طريقها الى التجديد وحداثة الشعر، وهو ما تبدّى في ديوانها الأول "وحدي مع الأيام " الصادر عام 1952 في القاهرة، وخالفت بذلك طباع شقيقها ومزاجه الشعري المعتصم بالشعر الكلاسيكي وعمود القصيدة، مع مواظبتها على الاعتزاز به (إبراهيم) والوفاء له، فلو لم يأخذ بيدها في البداية، وهي حبيسة البيت العائلي البطريركي، لما أمكن لها أبدأ أن تكون ما كانته.