أسباب التوقف القسري لتظاهرات البصرة

09 أكتوبر 2018
الصورة
تعرض المتظاهرون لملاحقات (حيدر محمد علي/فرانس برس)
+ الخط -
لم تعد تظاهرات مدن جنوب العراق، وتحديداً احتجاجات البصرة، تشكّل حديث العامة من العراقيين بعد انتهائها في ظروف قد تبدو غامضة للعامة، ومعروفة أسبابها لمراقبين ومسؤولين في الدولة. الحكومة لم تحقق أياً من الوعود التي أعلنت عنها بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات، مثل توفير 10 آلاف فرصة عمل وصرف 3.5 ترليونات دينار (نحو 2.8 مليار دولار) وإطلاق برنامج تخفيف من الفقر وإيصال الماء والكهرباء لكل الأحياء السكنية في البصرة. على العكس من ذلك، زادت الأوضاع سوءاً، إذ أعلنت السلطات الصحية عن ارتفاع عدد حالات التسمم إلى نحو 90 ألف حالة جراء الماء الملوث وزيادة ساعات انقطاع الكهرباء وتراجع نسبة تجهيز الماء الحلو بالصهاريج.

على الرغم من ذلك توقفت التظاهرات، بحسب مسؤولين محليين وناشطين من المدينة المطلة على مياه الخليج العربي جنوبي العراق. وأكد هؤلاء أن سبب توقفها يعود إلى آلة قمع وحشية تصدرتها فصائل مسلحة بالحشد الشعبي مقربة من إيران وخلية الصقور الاستخبارية، وهي تشكيل استخباري أسسه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وينشط في محافظات جنوب العراق وأغلب اعضائه من كوادر حزب الدعوة الإسلامية.


ولوحق أبرز قادة التظاهرات الذين ظهرت وجوههم على شاشات التلفاز وفي الصور المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات. وتم اعتقال العشرات منهم واغتيل عدد آخر في ظروف غامضة وعثر على جثثهم . ولا يبذل أهالي البصرة عناء في تفسير سبب مقتل أحدهم أو العثور على جثته صباحاً بل يبادرون إلى القول إنه "من جماعة التظاهرات"، في إشارة إلى أنه قتل بسبب مشاركته في التظاهرات.

وبلغ عدد الذين تم قتلهم خلال التظاهرات أو اغتيالهم بعدها 51 ناشطاً ومتظاهراً من بينهم سيدة قتلت الأسبوع الماضي وسط البصرة بعدما كانت تتصدر المشهد النسائي في التظاهرات. كما يتراوح عدد المعتقلين بين 700 و900 شخص، جرى إطلاق سراح معظمهم، وأكدوا تعرضهم للتعذيب. في حين يستمر فقدان أثر نحو 30 شخصاً يُعتقد أنهم لدى المليشيات وليسوا لدى قوات الأمن.
وتلاحق الجماعات المسلحة، التي يُعتقد أنها تنتمي لـ"الحشد الشعبي" الناشطين منذ بدء التظاهرات. وكان الأمر لا يتعدى المضايقة، لكن الأسابيع الأخيرة شهدت حملة اغتيالات واسعة، في أحياء البصرة كافة، بحسب الناشط البصري فؤاد الحلفي.
وأوضح الحلفي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه في "الأسابيع الأخيرة وتحديداً الاسبوعين الماضيين، وصلت عمليات الاغتيال للناشطين حداً لا يعقل، فكل يوم يفاجأ الناس أثناء خروجهم للعمل صباحاً بوجود جثة او اثنتين لشباب على الأرض، في منطقة ما من البصرة". ولفت إلى أن "أغلبية العمليات تتم خلال ساعات الفجر وساعات الصباح الأولى، لا سيما مع توجه الناشطين إلى أعمالهم". وبالنسبة إليه فإن "الكارثة تتمثل في أن هذه العمليات تتم على مقربة من نقاط التفتيش للعناصر الأمنية من الجيش والشرطة، لكن القوات لا تتدخل خوفاً من الوقوع في دائرة الاستهداف من هذه الجماعات". وأشار إلى أنه "تم العثور على جثتين مضرجتين بالدماء، يوم الأحد الماضي قرب مدخل مبنى هيئة استثمار البصرة، مع العلم أن الطريق المؤدية إلى المبنى معروف بكثافة التواجد الأمني".
وبحسب الحلفي، فإن "التحركات الشبابية الحالية لم تعد تظاهرات بالمعنى الذي حدث خلال الأشهر الماضية، إنما هي عبارة عن وقفات استذكارية للقتلى الذين سقطوا خلال فترة الاحتجاجات وإضاءة شموع لأجلهم والترحم عليهم ورفع صورهم ولافتات صغيرة تحمل شعارات مثل (كلا للمداهمات الليلية، وأوقفوا الاغتيالات، والمياه تقتلنا)". على الرغم من ذلك، "فإن التأهب الأمني لقمعنا جاهز من قبل القوات العسكرية، بل إن قوات مكافحة الشغب تلوّح لنا من بعيد بقنابل الغاز المسيل للدموع، في إشارة إلى تهديدنا في حال قررنا أن نحتج وتكرار السيناريو الماضي"، على حد وصفه.

وتمكنت "العربي الجديد" من التواصل مع ضابط في جهاز الاستخبارات في مدينة البصرة، قال مشترطاً عدم ذكر اسمه، إن "القيادة الأمنية تعرفت على بعض سيارات الجماعات المسلحة التي تلاحق الناشطين وتغتالهم، لكنها لم تتعرف على أرقام ومرجعيات هذه العجلات". وأشار إلى ان "هناك اتهامات لعناصر ضمن فصائل تابعة للحشد الشعبي بالمحافظة، لكننا لا نعرف حقيقة هذه الاتهامات، لأن الأمن في البصرة لم يستقر منذ العام 2003، والمدينة معروفة بكثرة السلاح فيها، والتصفيات الجسدية بين القبائل، لكن التحقيقات مستمرة لغاية الآن".

ولفت الضابط نفسه إلى أن "قادة الشرطة والجيش والعمليات العسكرية في البصرة، يمارسون تعتيماً إعلامياً على هذه الاغتيالات لأنهم لا يملكون أي معلومة حقيقية عن هوية القتلة أو جهة انتمائهم. فمنهم من يفسّرها بأنها جزء من انتقام فصائل في الحشد الشعبي عقب حرق مقارهم والقنصلية الايرانية خلال الشهرين الماضيين. ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك، والإشارة إلى تنظيم داعش". وأوضح أن "الكثير من المعتقلين لدى الجيش تم الإفراج عنهم، إذ تم الإفراج عن أكثر من 100 معتقل خلال الأسبوعين الماضيين، في حين بقي العشرات منهم، وسيتم الإفراج عنهم بعد أن تنتهي إجراءات التحقيق الخاصة بعمليات حرق مقار الأحزاب ومبنى مجلس المحافظة بالإضافة إلى التجاوز على الممتلكات العامة".

في غضون ذلك، أشار أحد شيوخ قبيلة "البو عامر" في البصرة، سلمان العودة، إلى أن "العشائر في البصرة لن تسكت عن الظلم والقتل، إذا لم تتمكن الحكومة والأجهزة الأمنية من معرفة قتلة الناشطين الذين يتفرعون من سلسلة عشائر مختلفة". وحذر من أنها "ستتدخل إذا استمر التعتيم على عمليات التصفية الجسدية التي تمارسها جماعات مجهولة". وأوضح العودة، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "أول تحركاتنا سيكون تشكيل وفد عشائري للقاء المسؤولين المحليين في البصرة، وإذا لم نتمكن من الوصول إلى حل يرضي ذوي الضحايا، فإننا سنتجه إلى بغداد للقاء وزير الداخلية قاسم الأعرجي وعرض الكوارث الأمنية التي تحصل في البصرة، وإذا لم نصل مع الأعرجي إلى نتيجة، فإن العشائر قادرة على محاسبة الجماعات المسلحة التي نعرف أن بعضها ينتمي للحشد الشعبي، والبعض الآخر ينتمي للقوات الأمنية النظامية، وسنحاسبهم وفق سنن العشائر العربية".

في الأثناء، قال عضو المجلس المحلي لمدينة البصرة، مجيب الحساني، في حديث مع "العربي الجديد" إن "أغلبية الناشطين في البصرة ينتظرون ما سيظهر من نتائج تشكيل الحكومة الجديدة، بواسطة الرئيس المكلف عادل عبد المهدي، لحل أزمات المحافظة عبر اختياره وزراء أكفياء للوزارات التي تهم البصريين، وأبرزها الموارد المائية والداخلية بالإضافة إلى الزراعة والنقل". وأشار إلى أن "نجاح الحكومة المقبلة، يعني انتهاء التظاهرات، في حين إذا فشل عبد المهدي فإن التظاهرات الغاضبة ستعود وقد يحدث ما هو أسوأ مما حدث سابقاً". وأوضح أن "حكومة حيدر العبادي لم تتمكن من إدارة أزمة البصرة المحافظة بشكل جيد، بل إنها لم تتمكن حتى من الحفاظ على أرواح الكثير من الناشطين، وهذا ما يجب أن يعمل على تحقيقه عادل عبد المهدي". ووفقاً للحساني فإنه "إذا نجح عبد المهدي في إدارة ملف البصرة فهذا يعني نجاحه في إدارة باقي الملفات السياسية والخدمية".
من جهته، أكد عضو البرلمان العراقي عن مدينة البصرة عامر الفايز، أن "لدى نواب البصرة في البرلمان، توجها نحو عدم إعطاء الثقة والتصويت بالقبول على حكومة عادل عبد المهدي، إلا بعد أخذ التعهدات منه شخصياً لحل الأزمة المائية والأمنية في المدينة، بالإضافة إلى صرف المستحقات المالية للمحافظة، لاسيما أموال المشاريع المتوقفة بسبب التقشف الحكومي، وسداد كل ديون الحكومة الاتحادية للبصرة". ولفت الفايز، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "نواب البصرة سيركزون خلال المرحلة البرلمانية الجديدة على حصول البصرة على نسبة من الواردات المالية للمنافذ الحكومية، فضلاً عن إلزام الشركات الأجنبية العاملة بحقول النفط والغاز باعتماد الأيدي العاملة المحلية بدلاً من الأجنبية الوافدة من الخارج، لتقليل نسبة البطالة".

المساهمون