أزمة مياه في صيف تونس

08 يوليو 2017
الصورة
انخفاض كبير في مستوى مياه السدود (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

لا يختلف صيف تونس هذا العام عن الموسم الماضي، إذ تشهد المناطق التونسية نقصاً كبيراً في المياه من جرّاء انخفاض مستوى الأمطار والانخفاض الكبير في مستوى مياه السدود. وهو ما أثّر على شبكات التوزيع، بالتالي تزويد الناس بـالمياه الصالحة للشرب. وقد أدّى ذلك إلى احتجاجات واعتصامات شملت مناطق عدّة عانت لأكثر من أسبوع متواصل من انقطاع المياه.

وباتت أزمة المياه هذه متلازمة مع حلول موسم الصيف وارتفاع دراجات الحرارة، الأمر الذي اضطر الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ولأول مرّة هذا العام إلى استعمال جزء من مخزون تونس الاستراتيجي من المياه، عبر تحويل 170 مليون متر مكعب من سدود الشمال. كذلك دفع ارتفاع استهلاك المياه الشركة إلى تنظيم حملات توعية حول ضرورة الاقتصاد في الاستهلاك، فيما دقّت جهات معنية أخرى ناقوس الخطر محذّرة من أزمة مياه كبيرة في تونس تتفاقم أكثر مع حلول عام 2030 نتيجة تصاعد نسق الاستهلاك وتراجع منسوب المنابع.

وتتكرر التحركات الاحتجاجية المنددة بانقطاع المياه الصالحة للشرب في جهات عدّة. أهالي سيدي علوان في محافظة المهدية (جنوبي العاصمة)، عمدوا قبل أيام إلى قطع الطريق وإشعال العجلات المطاطية احتجاجاً على انقطاع المياه عن المدينة، وقد أحضروا معهم دوابهم التي أوشكت على النفوق بسبب العطش الذي استمر أكثر من عشرة أيام متتالية. أمّا في قفصة (جنوب غرب) وفي القيروان (وسط) فقد نظّم الأهالي خلال الشهر الماضي اعتصامات وقطعوا الطرقات على خلفية انقطاع المياه بصورة مستمرة.

في السياق، يشير مدير إدارة المياه الجوفية في وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عبد الستار بن قسيم، إلى أنّ "أزمة مياه تونس تجعل البلاد تُصنَّف من بين مجموعة البلدان الفقيرة لجهة الموارد المائية. ويقدَّر معدل الموارد المائية بالمقارنة مع عدد السكان بـ 450 متراً مكعباً للمواطن الواحد، وهو معدّل ضعيف جداً إذا ما قارنناه بالمعدّل العالمي، أي 1000 متر مكعب للمواطن الواحد". يضيف بن قسيم لـ "العربي الجديد" أنّ "ندرة المياه ناتجة في الأساس عن التقلبات المناخية التي تؤدي إلى الجفاف وندرة مياه الأمطار التي تصل أحياناً إلى ثلاثة أعوام متتالية، الأمر الذي يتسبب في انخفاض المائدة المائية في الوسط وفي الجنوب خصوصاً".

من جهته، يقول المنسق في المرصد التونسي للمياه، علاء المرزوقي، إنّ "المرصد سبق وحذّر من تفاقم أزمة انقطاع المياه خلال عام 2017، وهو ما نعيشه اليوم بالفعل بسبب سوء تصرف الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه وسياسات وزارة الفلاحة الخاطئة". ويوضح لـ "العربي الجديد" أنّ "المرصد تلقى خلال العام الماضي أكثر من 900 تبليغ عن انقطاع المياه وسجّل أكثر من 110 حركات احتجاجية، خصوصاً في محافظات الوسط مثل القيروان ومحافظات الجنوب مثل تطاوين وقفصة، وذلك بعدما انقطعت المياه في بعض المناطق الداخلية لفترات قاربت الشهر". يضيف أنّ "المرصد بدأ اليوم بتلقي بلاغات جديدة عن انقطاع المياه الذي يسجّل منذ بداية موسم الصيف هذا في جهات عدة".




ويشدد المرزوقي على "ضرورة عقد لقاءات بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني لدراسة حقيقة الأزمة التي أثّرت بصورة كبيرة على المواطنين، خصوصاً خلال فصل الصيف، بالإضافة إلى الاستعانة بكل الدراسات التي أعدّها خبراء وجامعيون حول وضع المياه في تونس وكذلك وضع الشركة. يُذكر أنّ الشركة تشكو من قدم شبكة القنوات التي يبلغ طولها بحسب وزارة الفلاحة 70 ألف كيلومتر، فيما يؤدّي تكلس المياه داخلها وتضرر معدات ضخ يتجاوز عمر بعضها 30 عاماً إلى انقطاع المياه". يُذكر أنّ شركة المياه لا تملك التمويل اللازم لصيانة القنوات أو تجديدها بسبب ارتفاع ديونها لدى المواطنين والشركات الخاصة والعامة لتبلغ نحو 70 مليار دولار أميركي في عام 2016.

تجدر الإشارة إلى أنّ مخزون المياه بلغ في السدود التونسية 746 مليون متر مكعب في أغسطس/ آب 2016 في مقابل مليار و226 مليون متر مكعب في الشهر نفسه من عام 2015. وقد كبّد الجفاف قطاع الزراعة خسائر بنحو مليار دولار بحسب بيانات الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

وكانت وزارة الفلاحة قد أكدت أخيراً تسجيل نقص في مخزون مياه السدود بنحو 500 مليون متر مكعب، مشيرة إلى أنّ حلّ مشكلة نقص المياه هو اللجوء إلى تحلية مياه البحر، وقد استحدثت وحدة لتحلية المياه في محافظة صفاقس (وسط) وأخرى في جربة (جنوب شرق) تبدآن بالعمل في الصيف المقبل. كذلك، جرت المصادقة على برنامج عاجل لإنجاز نحو 40 وحدة متنقلة لتحلية مياه البحر.

إلى ذلك، تسعى الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه إلى إنجاز مشاريع لحفر آبار إضافية ومدّ شبكات توزيع المياه لتزويد المناطق التي تشهد صعوبات في الضخ بفعل الطلب المتزايد، ولا سيّما في مناطق الشمال التي تضمّ مخزوناً مائياً جوفياً هاماً. أمّا مناطق الجنوب التي تشكو من نقص في المياه الجوفية، فسوف تستفيد من إمداد المياه من سدود الوسط الباقية. ويُذكر أنّ أعمال صيانة شملت شبكة توزيع المياه في حين جرى تجديد بعضها أو توسيعه، وقد أتى التدخل ليشمل 149 منظومة مائية هشة تشهد اختلالاً بين الطلب على المياه وبين الموارد المتاحة.

دلالات