أبعد من واقعة عصام السعافين

أبعد من واقعة عصام السعافين

02 مارس 2020
+ الخط -
عصام السعافين في العنوان أعلاه ملازمٌ في الشرطة الفلسطينية في غزة، التابعة للسلطة في رام الله. يوم 27 يناير/ كانون الثاني الماضي، كان يبتاع شيئا في غزة، فأمسك به ملثّمون ملابسُهم مدنية، وقادوه إلى مكانٍ ما، عُرف لاحقا أنهم يتبعون أمن حركة حماس، وأخذوه إلى مركزٍ أمني يتبع وزارة داخلية حماس (!). وفي يوم 23 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، نُقل إلى مستشفىً، ليقضي فيه عن 39 عاما. وبعد أيام، أصدرت الجهة المذكورة بيانا قالت فيه إنها تعتبر عصام السعافين شهيدا، وإن لجنةً أجرت تحقيقا في وفاته، وإن جهاز الأمن الداخلي كان قد أوقفه بتهمة "الإخلال بالأمن العام"، وإن الرجل كان مريضا بالسكّر وضغط الدم وتضخم في القلب، ولم تُتّخذ، في أثناء توقيفه، الإجراءات الكافية لمراعاة وضعه الصحي. وجاء بيان الطبيب الشرعي، بعد تشريح الجثة، بحضور طبيب منتدبٍ من جهةٍ حقوقيةٍ، على تغير في لون الجلد، وآثار كدمة، وأشياء أخرى. وذلك كله فيما قالت أسرة المتوفّى، شقيقه وزوجته ووالدته، إنه تم منعهم من زيارته طوال توقيفه أربعين يوما، وكذلك رُفض إدخالهم أدويةً إليه، وإن آثار تعذيبٍ واضحةٌ على بدنه، وتعرّض لضربٍ مبرّح، ولصعقٍ بالكهرباء على ظهره. وفي رام الله، قالت حركة فتح إن السعافين تلقى، في أثناء توقيفه، تعذيبا قاسيا، وسمّاه الرئيس محمود عباس شهيدا.
جاء ضروريا هنا أن يُحيط الإيجاز أعلاه بواقعةٍ من بالغ الضرورة والأهمية أن تحوز اكتراثا فلسطينيا واسعا، فهي تذكّر بحزمةٍ من حقائق الراهن الفلسطيني، الكالح والركيك، ومنها أن ولاية الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد اشتية على عموم أراضي السلطة الوطنية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، أزعومةٌ مهترئة. وأن القبضة الأمنية لحركة حماس على مواطني قطاع غزة فادحة ومتجبّرة، وأن المسلسل التافه والمضجر عن جولات محادثات المصالحة بين حركتي فتح وحماس لم يعد يستثير أي رغبةٍ بمتابعته. والأهم من هذا وكثير غيره أنه تسلّل إلينا، أصحاب التعاليق الصحافية، ظنٌّ أن نوبات التعذيب المريعة في سجون "جناحي الوطن" (التعبير الإنشائي الأثير)، في الضفة الغربية وقطاع غزة، انتهت، ولكن الظاهر أن أصحاب القرار هناك وهنالك يحافظون على دأبهم المعلوم هذا. وقد أخذتْنا واقعة عصام السعافين إلى أسئلةٍ بديهيةٍ، غابت بعض الوقت، يتعلق أحدها بالذي تريده "حماس" بالضبط عندما يمارس ناسٌ منها، أناطوا بأنفسهم مسؤوليات الحفاظ على أمن العباد وسلامتهم، مسالك سيئةً في القمع، وقد شوهدت غير مرّة، من قبيل العُسف الذي قوبلت به مظاهرات "بدنا نعيش" في غزة ربيع العام الماضي.
ليأذن لنا أصدقاؤنا في "حماس" تصديق المروّيات عن تعذيبٍ قاسٍ تعرّض له عصام السعافين في مركز الاحتجاز. ويلزم أن يعرفوا أن خطف ناسٍ منهم مواطنا، أيا كانت فعلته، في الشارع، بالكيفية التي أودع بها المغدور مقرّ التوقيف، فعلٌ مستنكرٌ ومرفوض. ومن الملحّ أن يعرف الحاكمون من "حماس" في قطاع غزة المحاصر، وكذا أهل السلطة الوطنية وأجهزتها الشرطية والأمنية في الضفة الغربية، أن تقارير المنظمات والهيئات المدنية الناشطة بشأن حقوق الإنسان تشتمل على "قلقٍ بالغ" من تكرار حالات الوفاة في سجون ومراكز التوقيف في قطاع غزة. وهنا، يحسُن التنويه بالمستوى الرفيع الذي تتصف به تقارير الهيئة المستقلة لحقوق المواطن (ديوان المظالم) الدورية، والتي ما قصّرت أبدا في التأشير إلى شناعاتٍ مهولةٍ ترتكبها أجهزة السلطة و"حماس"، عدا عن تقاريرها قبل الانقلاب الذي تسلمت به الحركة الإسلامية القطاع المحاصر وناسه. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لا يُنسى التحقيق الصحافي للزميلة نائلة خليل، ونشرته قبل عشر سنوات، وسمّته "ثمن الكراهية"، واستحقّت عليه جائزةً عربيةً مقدّرة، ومما باقٍ في الذاكرة منه أنه تم تعذيب معتقلٍ من "حماس" لدى السلطة في نابلس بغرز مفكّات في جسده، وتعذيب معتقل من "فتح" لدى "حماس" في غزة بدقّ مسامير في قدمه. وانكتب، في التحقيق نفسه، أن عائلاتٍ هجَرت بيوتها قرب مقر للشرطة في غزة بسبب صراخ المعتقلين جرّاء التعذيب .. قرأنا هذا قبل عقد، والآن نقرأ واقعة الملازم عصام السعافين، واتفاق رام الله وغزة على احتسابه شهيدا!
358705DE-EDC9-4CED-A9C8-050C13BD6EE1
معن البياري
كاتب وصحفي من الأردن، مواليد 1965. رئيس قسم الرأي في "العربي الجديد".