آدم شاتس.. استشراق أسوار لا حدود مفتوحة

03 اغسطس 2019
الصورة
آدم شاتس (جامعة يال)
+ الخط -

"إذاً، ما زال الاستشراق معنا، وما زال جزءاً من اللاوعي الغربي". بهذه العبارة لخص الكاتب الأميركي آدم شاتس رؤيته لوضعية الاستشراق الراهنة في محاضرة له خلال مؤتمر عقد في بيروت منذ وقت قريب تحت عنوان "وسائط الإعلام والتمثيل الثقافي: تغطية الإسلام والحرب العالمية على الإرهاب".

كانت المحاضرة مكرّسة للحديث عن الاستشراق بين الأمس واليوم، وسلطت الضوء على الكيفية التي تحوّل فيها ما كان ذات يوم حقلاً من اختصاص باحثين ومثقفين، أو حتى مفكرين، إلى ميدان يجول ويصول فيه ممثلون حولوه إلى "استشراق جديد يتحدث بلغة الصفقات، وغالباً بلغة القوة والقمع.. وعلى خلاف الاستشراق، استشراق المعرفة بوصفها سلطة، الذي حلّله إدوارد سعيد، لا يتطلب هذا النوع الجديد خبراء مثقفين من صنف برنارد لويس وفؤاد عجمي، بغض النظر عما يمكن أن يُقال عنهما، بل يتطلب آلة أرقام تدرس تقارير الشرطة وتحسب درجات التطرف لدى هذا أو ذاك أو حسب تعبير المحاضر. "هو استشراق مرحلة تغرق فيها النزعة الليبرالية الغربية في أزمة عميقة.. غير مبالٍ، فظ على الأغلب، مدفوع بالكراهية.. استشراق أسوار لا حدود مفتوحة.. تغيرت فرقته ونوعية الممثلين ولكن الغاية ثابتة بلا تغيير" حسب تعبير شاتس.

أصبح نمط الاستشراق القديم حسب شاتس، مع أنه لم يضمحل كلياً، "أقل منفعة للذين في السلطة لأنه يقوم على أساس معرفة تاريخية وأدبية عميقة من النوع الذي يعدّ لَعْنة بالنسبة لأي رئيس لا صبر لديه على الكتب، والذي تحركه دوافعه". وأضافت شبكة الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي بُعداً جديداً، فمن جانب، جرّدت الذين اعتبروا خبراء ذات يوم من معظم ما امتلكوا من نفوذ، ومدّت بالقوة غير الخبراء من جانب آخر. ويلاحظ شاتس أن هؤلاء الأخيرين لا يوفرون فرصة إلا وينتهزونها لتقديم عروض تنتقد النزعة الثقافية بوصف هذا النقد فضيلة بل ومصدر قوة أيضاً. وأثبتت تبعات نقد الخبرة هذه أنها مضللة، وغامضة في أغلب الحالات، ما دامت تسلم نفسها للجهل وانعدام التسامح واللاعقلانية.

استشراق اليوم، حسب هذا المحاضر، هو استشراق قناة "فوكس نيوز" وكِتاب "أوروبا عربية" للمصرية اليهودية/البريطانية جيزيل لتمان المهووسة بالكتابة عن مؤامرة إسلامية/أوروبية على مستقبل أوروبا، وقل مثل ذلك عن ضابط البحرية السابق والمصرفي الأميركي ستيف بانون. إنه استشراق لا يقوم على دراسة ذات أهداف محددة، بل على غياب الدراسة "يتغذى على نزعة مركزية أوروبية تقوم على أن المجتمعات الإسلامية وبلدان أكثر تدنياً تهدّد أوروبا.. وعلى نظرية مؤامرة بلا قناع لا تنتشر عن طريق المكتبات وأكشاك بيع الصحف بل عن طريق وسائط مثل "تويتر" و "فيسبوك".

ومع ذلك كما يقول شاتس، هنالك مقاومة على الصعيد الثقافي نسمعها في موسيقى عود التونسي أنور إبراهيم الذي قدم عملاً موسيقياً مهماً يمازج بين موسيقى جاز عربية وكلاسيكية غربية، وفي "رباعية فلسطين حرة" للموسيقار الأميركي جون كينغ، وقوامها الألحان العربية ووحداتها الإيقاعية ومكرّسة لذكرى قرية فلسطينية جرى تدميرها في عام 1948. ويرى أن رواية "البوصلة" الحائزة على جائزة غونكور (2015) للفرنسي ماثيس إيند ربما تمثل رثاءً لذلك الاستشراق الغنائي الرومانسي، مدفوعة برغبة في إقامة جسر بين الشرق والغرب، وقد تكون أكثر المحاولات طموحاً إلى تجاوز تراث الاستشراق القمعي في الرواية المعاصرة، وباستخدام تراث المستشرقين ذاته. ويظهر فيلم "نهاية سعيدة" (2017) للنمساوي مايكل هانيكة لاجئاً في مدينة كاليه الفرنسية بلقطة موجزة محاولا بذلك التذكير بالغرب وريائه، إلا أن اللاجئ يظهر بلا اسم، فهو أقل قليلاً من أداة، وأقرب شبهاً بالعربي الجزائري غير المسمى في رواية "الغريب" لـ ألبير كامو.

ويقدّم فيلم "الفتاة المجهولة" (2016) للأخوين البلجيكيين دردين، أزمة وعي يمرّ بها طبيبٌ بلجيكي شاب واجه موت شابة أفريقية. وهنا توضع شخصية أفريقية مسلمة مرة أخرى في موقف سلبي بلا اسم، موضعاً للشفقة والازدراء.

الاستثناء على هذا فيلم للمخرج الفنلندي آكي كارزماكي عنوانه "الجانب الآخر من الأمل" (2017) عن لاجئ عربي شاب في فنلندا يعيش حياة سرية، ويتفادى القبض عليه من قبل السلطات بمساعدة مجموعة من الفنلنديين المتضامنين معه، في وقت تطارده عصابة من الفاشية الجديدة. ويصمّم اللاجئُ على أن يأخذ مصيره بين يديه، فيقبل مساعدة أصدقائه الفنلنديين ولكن بشرط المساواة بينه وبينهم، ويكافح بإمكانياته ليصنع حياة له ولأخته في عالم أوروبا القديمة/الجديدة. وينحاز المخرج آكي، على خلاف مايكل هانيكة، إلى جانب رؤية مسلم أوروبا "المغاير" أي الآخر، ويتيح لنا أن نلمح للحظة كيف يمكن أن يبدو عالم ما بعد الاستشراق.

الجديد الآخر الذي يمكن إضافته إلى تحليلات شاتس في هذا الموضوع هو انتقال مبحث الاستشراق إلى أقصى الشرق، والمناسبة هي انعقاد أول مؤتمر من نوعه في جامعة شنغهاي الصينية أشرف عليه مركز الدراسات العالمية في هذه الجامعة. وهناك أضيفت ما أصبحت تدعى دراسات ما بعد-الاستشراق إلى دراسات "الاستشراق" و "الاستشراق الجديد".

ولاحظ القائمون على هذا المؤتمر الذي عقد في منتصف عام 2018 بمناسبة مرور أربعين عاماً على صدور كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد، أن حقل دراسة هذا الموضوع أكاديميا في الغرب تعددت وجوهه تاريخياً، وهيمنت عليه دوائر ذات توجه سياسي، وخصوصاً خلال مرحلة الحرب الباردة، إذ موّلت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الدراسات والأبحاث و"المتطوعين" الذين تدفقوا آنذاك على أفريقيا وأميركا اللاتينية وأميركا الوسطى وآسيا و"الشرق الأوسط"، لدراسة التاريخ والمجتمع والسياسة، وشكل ذلك صورة كلاسيكية للاستشراق. ولكن بدأنا نشهد في السنوات الأخيرة، تحديداً بعد ثمانينيات القرن العشرين، نوعاً آخر من الأكاديميين ينطلق في دراسة هذه المناطق من حقول دراسية متنوعة؛ من هذا النوع أساتذة علوم سياسية وأنثروبولوجيا ولسانيات وعلوم اجتماعية.

وترافق هذا مع تحوّل في الدراسات الأكاديمية الغربية يقوم على قاعدة البحث عن فرص بحثية مندمجة في نظام تعاليم الليبرالية الجديدة ومتواصلة معه، وأصبحت أشكال البحث الجديدة تشدّد على التوجّه السياسي أكثر مما كان يفعل الكلاسيكيون، وتموّلها وكالات حكومية.

وأطلق منظمو المؤتمر الصينيون على عملية إنتاج المعرفة الجديدة هذه مصطلح "الاستشراق الجديد". ولاحظوا أن الكثير من الباحثين في هذا المجال يدرسون تعابير ومفاهيم الليبرالية الجديدة مثل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و "الأعراق" و"الأقليات الدينية".. إلخ، فيعزّزون بذلك معرفة متعدّدة الرؤوس والأهداف وليست معرفة أكاديمية خالصة.

إلا أن السنوات الأخيرة، كما يرى هؤلاء، بدأت تشهد بروز منظور نقدي تجاه مجال دراسات هذا التيار الجديد، على يد باحثين من "أهالي" البلدان موضع الدراسة. وعبر المؤتمرون عن اعتقادهم بأن دخول باحثي هذه البلدان ليس سوى بداية لمرحلة إعادة رسم خريطة مجال الدراسة في القرن الحادي والعشرين، وهي مرحلة أطلقوا عليها مصطلح "ما بعد- الاستشراق". أي كأنهم يودون القول إن صفحة الاستشراق قد طُويت.

وفي هذا الإطار، وضعوا مؤتمرهم، أي إطار دراسات موضوعات الساعة المتنوعة من وجهة نظر شرقية، موضوعات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والحرية الأكاديمية وحقوق المرأة، بالإضافة إلى موضوعات مثل الإمبريالية والإمبريالية الجديدة، والخطاب الليبرالي واليسار الجديد والتنمية ودراسات ما بعد –الاستعمار.

وكل هذا يمثل انتقالا إلى حقول بحث جديد. ومع أن شبح الاستشراق ما زال يطل على هذه الحقول، أياً كان الوجه الذي يتخذه وأياً كانت السياقات التي يجري فيها، إلا أن الشرقي أصبح قادراً على تمثيل نفسه ولم يعد مجرّد موضوع بحاجة إلى من يقوم بتمثيله كما كان الأمر في الماضي، بكل ما يعنيه هذا من تحرّر من القبضة الغربية فكرياً وسياسياً، أو ما اصطلح عليه مفكرون من أميركا اللاتينية اسم "التحرّر من قبضة المنطق الاستعماري" الذي ظل فاعلاً حتى مع زوال الاستعمار في بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.